تغدّى الخليجيون مع باراك أوباما في المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد، أول من أمس، تناقشوا معه في كافة المسائل، وقفوا بعد ذلك إلى جانبه وأخذوا الصور التذكارية التي تؤرّخ لحظة «تبديد المخاوف من الاتفاق النووي مع إيران»، بابتسامات عريضة، أعقبها خروجهم التام من الصورة، ليستحوذ عليها الرئيس الأميركي، متحدثاً باسمهم جميعاً، محاولاً دحض التكهّنات والتقارير عن أن العلاقة الأميركية ـ الخليجية (السعودية بشكل خاص) تتهالك، ومنهياً بذلك المهمّة التي دعاهم من أجلها إلى أميركا. مشهد ليس «سوريالياً»، ولكنه مع ما احتواه البيان الختامي للقمة من دعم وترحيب الخليج بالاتفاق النووي المحتمل، وإظهار القبول بالضمانات الأمنية الأميركية، شكّل «مفاجأة سارة» لديفيد إغناتيوس، مثلاً، الذي بادر، بعد انتهاء القمة، إلى تظهير أجوائها وإبداء موجبات سروره، رغم الوقائع التي عكف البعض على إبرازها والتي تشير إلى أنه لم يتم إحداث خرق يُذكر.


الكاتب في صحيفة «ذي واشنطن بوست» ــ المقرّب من الإدارة الأميركية ــ حرص على المقارنة بين التعاطي الإسرائيلي والخليجي مع الملف النووي، منتقداً «تعنّت» الأولى ومثنياً، بنحو غير مباشر، على العرب الذين أدّوا دور «الأخيار» هذه المرة. خلال نقله تفاصيل الجلسات الحوارية بين أوباما والقادة الخليجيين، أبرَزَ إغناتيوس محطّات بدت لافتة بالنسبة إليه إلى حد التوقف عندها: الجلسة الأولى «أحاطها الجمود»، وخلالها جرى التطرق إلى التقدم في المفاوضات النووية. ولكن المزاج تغيّر، بعد الغداء. بعد الظهر «جرى الحديث، بشكل غير رسمي، عن التحديات الإقليمية في سوريا وإيران وليبيا، مع السعوديين والإماراتيين والقطريين، الذين رفعوا أيديهم، من أجل المقاطعة والتعليق وتقديم الاقتراحات». في هذه الجلسة، كان المزاج «جيد جداً جداً»، نقل إغناتيوس عن أحد الحاضرين الذي قال: «خرجنا بعدها بروح جماعية لم تكن موجودة قبل الاجتماع».

الجبير: من المبكر
الحكم على ما إذا كان الاتفاق مُرضياً

انتهى اليوم الطويل ببيانات «متفائلة بشكل مفاجئ» و«التزام أميركي لا لبس فيه بردع إيران ومنع أي تهديد مستقبلي من قبلها»، الأمر الذي أبداه أيضاً سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة لإغناتيوس، قائلاً له إن «العلاقات بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي ارتفعت إلى مستوى جديد».
انبهار إغناتيوس دفعه إلى إطلاق عنوان «خاتمة سعيدة لقمة كامب ديفيد» على مقاله، لينهيه بالقول: «لمرة واحدة، في مسرح الشرق الأوسط، اختار العرب أن يكونوا الأخيار، مقارنة بالحكومة الإسرائيلية... الأمر الذي قابله أوباما بشعور بلوره بنطق العبارة العربية: أهلاً وسهلاً».
لكن هل فعلاً ما قاله إغناتيوس يعبّر عن الواقع وعن كافة الآراء؟ بالنسبة إلى نهال طوسي في صحيفة «بوليتيكو»، لم يحصل أي اختراق خلال «قمة كامب ديفيد»، «ولكن أوباما وحلفاءه الخليجيين نجحوا، على الأقل، في أن لا يدعوا علاقتهم تسوء أكثر». وانطلاقاً من الوصف الذي أطلقه السفير الأميركي السابق إلى الكويت ريتشارد لوبارون، على نتيجية القمة بـ«الوضع القائم معدّل»، أشارت طوسي إلى ما تبادر إلى أذهان كثيرين، وهو أن «القادة العرب الذين ذهبوا إلى كامب ديفيد سعياً إلى الحصول على اتفاق أمني مكتوب مع الولايات المتحدة، سيعودون إلى بلادهم من دونه». هي زادت على هذه الفكرة رأياً يقول إن أوباما الذي دعا حلفاءه الخليجيين إلى المنتج الرئاسي، على أمل الحصول على دعم «لانفتاحه على إيران»، أحرز تقدماً «محدوداً».
الكاتبة ذكرت أيضاً أن «الطرفين اتفقا على مواصلة العمل من أجل التوصل إلى اتفاق شامل ويمكن التحقق منه مع إيران» ولكنها أضافت أن السؤال يبقى مفتوحاً بشأن ما إذا كانا سيحددان شروط الاتفاق النووي، بالطريقة نفسها.
في هذا المجال، أشارت إلى أنه رغم أن الولايات المتحدة وحلفاءها أبدوا «دعماً قوياً» للجهود من أجل التوصل إلى اتفاق نووي، لكن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير حذّر، في ظهور إعلامي بعد المحادثات، من أنّ من «المبكر الحكم على ما إذا كان الاتفاق مرضياً»، مضيفاً: «سنتابع المحادثات وسنجري تقويماً قبل أن نصدر حكماً».
تبقى حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي أن ما جرى في كامب ديفيد «ليست دبلوماسية إنما معرض أسلحة»، بحسب ما عنونت مجلة «فورين بوليسي» إحدى مقالاتها، أثناء إجراء المحادثات.
وفق المجلة، تبقى طريقة أوباما الأمثل لإظهار الدعم لأصدقائه، «هي ببيعهم أسلحة متقدمة بمليارات الدولارات»، خصوصاً أنه خلال السنوات الخمس الأولى من ولايته، أجرت إدارته اتفاقات رسمية «على أكثر من 64 مليار دولار مقابل أسلحة وخدمات دفاعية للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ـ نحو ثلاثة أرباعها للسعودية».
«دول مجلس التعاون الخليجي أهم عنصر في صفقات الأسلحة الأميركية التي أبرمت، خلال فترة حكم أوباما»، أضافت المجلة، مشيرة إلى أن مبيعات الأسلحة في عهده أسهمت في تعزيز أوضاع الشركات مثل «بوينغ» و«لوكهيد مارتن» و«رايثيون». «فكل شركة من هذه الشركات كانت المقاول الرئيسي في صفقة واحدة أو أكثر، كتلك التي تقدر بـ29 مليار دولار مقابل 84 طائرة مقاتلة من طراز بوينغ اف ـ 15 للسعودية، أو تلك التي قامت بها شركة لوكهيد مارتن من خلال بيع نظام صواريخ ثاد الدفاعية بـ 6.5 مليارات دولار إلى قطر»، مثلاً.