تبدو الجماهير غير منطقية عندما تصوّت لأشخاص وأحزاب في الانتخابات ثم تعود إلى الاحتجاج ضدها ومطالبتها بالرحيل. عندما تقرر المعارضة الحشد يوم 30 يونيو لإسقاط الرئيس محمد مرسي المنتخب قبل أقل من عام من توليه السلطة، فإن إشهار شرعية صندوق الانتخاب يصبح أمراً مفهوماً جداً. فالرجل تولى السلطة بأصوات الأغلبية في انتخابات مهما جرى الحديث عن مخالفات شابتها، إلا أنها تختلف بشكل حاسم عن الانتخابات التي كانت تجري في عهد مبارك. كذلك فإنّ نتيجة الانتخابات تتفق إلى حد ما مع نتائج كل صناديق التصويت التي ذهب إليها المصريون عقب الثورة، الإعلان الدستوري في مارس/ آذار 2011 وانتخابات البرلمان في ديسمبر/ تشرين الثاني 2011، وأخيراً الاستفتاء على الدستور. نتائج عمليات التصويت تلك بدت فيها الأغلبية للتيار الإسلامي بفصائله، من المنطقي إذن أن يحصل على الأغلبية المرشح الإسلامي. ووفقاً لآليات الديموقراطية المعمول بها، لا يجوز الطعن في شرعية مرسي. وسيكون تفسيراً مقنعاً جداً أن نرى الأمر كمجرد صراع بين تيار الإسلام السياسي بمعناه الواسع والقوى المدنية. هذا ما يتأكد أيضاً إذا نظرنا نحو الشرق؛ فرجب طيب أردوغان هو أيضاً رئيس حكومة منتخبة، ومن الصعب التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية التي أوصلته وحزبه إلى السلطة. كذلك فإنه يمتاز عن نظيره المصري بأنه استطاع خلال حكمه إحراز تقدم ملحوظ في قضايا وملفات مهمة في تركيا مثل ملف الأكراد والعلاقات الخارجية والاقتصاد وغيرها. ومع ذلك تنطلق تظاهرات في تركيا تطالبه بالرحيل. مرة أخرى يبدو الأمر كمجرد صراع بين تيار الإسلام السياسي في شكله الأكثر اعتدالاً وبين القوى العلمانية في تركيا. ولكن إذا نظرنا بعيداً نحو البرازيل، فستفقد تلك الحجة قيمتها. فرئيسة البرازيل ديلما روسيف التي خلفت لولا دي سيلفا عام 2010 وتنتمي إلى حزب العمال وليس أي إلى تيار ديني، وصلت أيضاً إلى رئاسة البرازيل عبر صندوق الانتخاب الذي لا يمكن الطعن في شرعيته وحصلت على أغلبية واضحة، 58%، من إجمالي الأصوات وبفارق كبير عن منافسها. هي أيضاً اندلعت ضدها الاحتجاجات عندما رفعت أسعار تذاكر الحافلات قبيل انطلاق مسابقة كأس القارات الكروية في البرازيل، ما اضطرها إلى دفع الجيش إلى النزول إلى المناطق المشتعلة بالاحتجاج ومحاولة امتصاص الغضب بخفض الأسعار. قبل هذه الأحداث المتزامنة كان باباندريو، رئيس الوزراء اليوناني عن الحزب الاشتراكي، يضطر إلى ترك السلطة عام 2011 في أعقاب انتفاضة ممتدة على اثر تطبيق سياسات تقشفية فرضها الاتحاد الأوروبي على اليونان لمواجهة الأزمة المالية. تتفاوت هذه الاحتجاجات بكل تأكيد في قوتها وجماهيريتها وامتدادها. ولكنها جميعاً تتفق على أنها اندلعت ليس في مواجهة ديكتاتوريات أو نظم حكم وراثية بل في مواجهة نظم منتخبة بطريقة يصعب التشكيك في نزاهتها. وأيضاً يلاحظ أنها نظم متنوعة في توجهاتها السياسية ولا تمثل اتجاهاً واحداً. لقد كان من المعتاد أن تنطلق الاحتجاجات الجماهيرية ضد أنظمة ديكتاتورية يصعب تغييرها عبر الانتخابات، ولكن تزايد الاحتجاجات التي تطالب برحيل نظم هي أصلاً منتخبة وحاصلة على شرعية الصندوق أمر أصبح يحتاج إلى النظر.

لا يمكن التقليل من قيمة حق الاقتراع العام في الانتخابات، سواء البرلمانية أو الرئاسية. فهو الحق الذي ناضلت شعوب العالم من أجل الحصول عليه منذ نهاية القرن الثامن عشر حتى اليوم. وكان من المؤشرات القليلة للمساواة بين المواطنين وعدم التفريق بينهم على أساس الملكية أو اللون أو العرق أو النوع. كان الحصول على حق التصويت يمثل تطوراً مهماً في الحياة السياسية قياساً على أنظمة الحكم الملكية وأشباهها. فقد كان يعني ذلك مشاركة الشعب في صياغة السياسة ولو حتى بالموافقة وإمكانية التغيير عبر الصندوق إذا لم تعجبه سياسات الحاكم أو إذا لم يفِ بتعهداته. ولكن ما يبدو أن الصندوق يضيق أحياناً بالإرادة الشعبية. فكثيراً ما كانت الأصوات تذهب لمصلحة تغيير في السياسات المطبقة، وحين تنتقل السلطة عبر الصندوق لا يتغير شيء. فعندما انتقلت السلطة من المحافظين إلى العمال في تسعينيات القرن الماضي في إنكلترا، استكمل العمال السياسات التي بدأها المحافظون. وبينما كان معتقل غوانتنامو من أسوأ إنجازات جورج بوش الابن وكان لتعهد أوباما بغلقه دور مهم في حصده للأصوات، ما زال في فترة حكمه الثانية يبحث مسألة إغلاقه. ولا بأس بحكومات يسارية تطبق سياسات يمينية هنا وهناك بعد حصولها على أصوات الناخبين.
على الرغم من الشكل الديموقراطي الذي تتخذه عملية الانتخابات، فإن الكثير من التعقيدات تبعدها عن كونها ممثلاً أميناً للإرادة الجماعية. فمثلاً تلعب الإمكانيات المالية دوراً محورياً في كل العملية الانتخابية؛ فحجم الإنفاق على الحملات الانتخابية، حتى من دون الرشى الانتخابية، تتوقف عليه القدرة على الوصول إلى أكبر عدد من الناخبين وإقناعهم. كذلك فإن كثيراً ما تؤدي أمور طائفية ومذهبية وقبلية دوراً مهماً في توجيه الناخبين بعيداً عن البرامج السياسية. وربما كانت انتخابات الرئاسة المصرية التي فاز فيها محمد مرسي نموذجاً جيداً على ذلك. فخشية الأقباط وقوى مدنية من صعود التيار الإسلامي وجهت التصويت لمصلحة أحمد شفيق أحد رجال مبارك، والذي انطلقت ضده تظاهرات مليونية عندما كان رئيساً للوزراء عقب الثورة. والخوف من الثورة المضادة في الجولة الثانية أعاد توجيه الأصوات لمصلحة مرسي، ما يعني أن الإرادة الشعبية الحرة لم تنعقد انعقاداً حقيقياً، لا لمرسي ولا لشفيق.
الديموقراطية التمثيلية التي تعني تفويض المجتمع أو أغلبيته لشخص أو لحزب أو مجموعة أحزاب أو تيار سياسي لتسيير المجتمع لفترة محددة وتحت رقابة من مؤسسات تمثيلية أخرى، كانت هدفاً لنضال الشعوب من أجل الديموقراطية، وعبّرت عن أعلى درجة من المشاركة الشعبية لوقت طويل. ولكن هذا المستوى من المشاركة لم يعد في ما يبدو كافياًً لإرضاء طموح الجماهير، فأصبحت تستبق الصناديق لتعبّر عن غضبها قبل أوان التغيير وفقاً لآليات الديموقراطية التمثيلية. تكشف الحركات الجماهيرية التي تتفجر هنا وهناك في وجه أنظمة منتخبة عيوباً عميقة في آلية الديموقراطية التمثيلية. والاحتجاج بشرعية الصندوق في وجه الجماهير يبدو أمراً غاية في الغرابة. فالجماهير نفسها هي من تمنح الشرعية للصندوق. ومن غير المفهوم أن تتحدد لها مواعيد صارمة للتعبير عن رأيها في النظام الحاكم وعبر آلية واحدة ودون ذلك تكون غير شرعية. ومن غير المفهوم أيضاً أن يكون التصويت لشخص أو لحزب في الانتخابات عبارة عن تفويض غير مشروط حتى يحل موعد التصويت التالي.
إن ما يجري اليوم من تمرد جماهيري على صناديق الانتخاب في أكثر من مكان يطرح أسئلة صعبة على آليات الديموقراطية التمثيلية، التي كانت هدفاً أسمى للشعوب في مراحل سابقة، ويكشف حدود المشاركة الشعبية في وضع السياسات وتنفيذها. والواضح أن الإجابات الإجرائية والقانونية لا ترقى إلى طموحات الجماهير. ومن ناحية أخرى فإن الحركات الجماهيرية المنتفضة في وجه أنظمة منتخبة لم تضع بعد تصوراتها لآليات بديلة تضمن مشاركة جماهيرية أوسع وأكثر عمقاً وفاعلية. قد تكون هناك الكثير من الأفكار والنظريات عن الديموقراطية المباشرة في مواجهة الديموقراطية التمثيلية وعن تجارب تاريخية محدودة عبّرت عن مشاركة شعبية واسعة. ولكن بالإمكان تذكّر أن الشعوب التي بدأت النضال ضد الحكم الملكي الوراثي والسلطات المطلقة التي تستبعد المشاركة الشعبية لم تحمل منذ اللحظة الأولى تصوراتها عن الديموقراطية التمثيلية، بل تطورت تلك التصورات مع حركتها. وربما الحركات التي تنهض في مواجهة شرعية الصندوق اليوم هي الأجدر بتقديم تصورات عن بدائل للديموقراطية التمثيلية.
* كاتب مصري