لم يكد الجيش يوقف المطلوب عماد جمعة المعروف بـ«أبو أحمد جمعة» حتى أعلنت «الدولة الإسلامية» الحرب عليه. أعطى أمير «الدولة» في القلمون «أبو حسن الفلسطيني» أوامره باحتلال عرسال. وخلال ساعات قليلة، انتشر عشرات المسلّحين في شوارعها. قطعوا الطريق الرئيسية التي تربطها بجارتها اللبوة، ثم شنّوا هجوماً على مراكز الجيش في البلدة.


خطفوا ستة من عناصره، ونشروا صورهم على حساب «ولاية دمشق» على موقع «تويتر»، علماً بأن قائد الجيش جان قهوجي تحدث عن فقدان 13 عسكرياً وعن احتمال كونهم مخطوفين. بعدها أغار مسلحو «الدولة» على فصيلة عرسال لخطف شاغليها. وهنا، يقول عبادة الحجيري، ابن الشيخ مصطفى الملقب بـ«أبو طاقية»، والمطلوب بمذكرات توقيف عدة تتعلق بتورطه في نقل سيارات مفخخة، بحسب بيان لوزارة الدفاع، لـ«الأخبار»: «أنا وأبي ومجموعة شبان تدخلنا بالقوة لمنع مسلحي دولة العراق والشام من أخذ عناصر قوى الأمن». يذكر عبادة أن «كمال عز الدين قتل بجانبي عندما كنا نمنعهم، وحصلت مشادة بين أبي وبين مسلحي الدولة». يروي عبادة أن العناصر نُقلوا إلى منزل الشيخ، رغم تهديد المسلحين باقتحامه لأخذ العناصر ومبادلتهم بـ«قائد لواء فجر الإسلام أبو أحمد جمعة». ويضيف إن رجال الأمن نُقلوا لاحقاً إلى المسجد، حيث «يخضعون للحراسة للحؤول دون اختطافهم». وعن إعلان انشقاق أفراد الأمن الداخلي، قال إن العناصر «أُجبروا على إعلان انشقاقهم أمام الكاميرا». أما لماذا لا يجري تسليمهم إلى الجيش، فيرد قائلاً: «يا أخي نحن أيضاً مغلوبٌ على أمرنا».
لم يكن الجيش يعلم بانتماء الموقوف جمعة. معلومات استخبارية كانت تشير إلى أنه أحد قياديي «جبهة النصرة». بقي الأمر على حاله إلى حين خروج حساب «جبهة النصرة» لينفي وجود أي علاقة لها بجمعة، الذي قالت مصادر «جهادية» لـ«الأخبار» إن «إخبارية لعواينيي الحزب كانت خلف نصب كمين لتوقيفه وحده».
هل يُعقل أن يُشعل توقيف رجل واحد حرباً كتلك التي اندلعت في عرسال؟ هل كانت خطة مهاجمة البلدة معدة سلفاً، أم أن توقيف جمعة قدح شرارتها؟ تساؤلات يرد عليها مصدر في «الدولة الإسلامية» من عرسال بأن «الحرب فُرضت علينا بعد اعتداء الجيش بتوقيف القيادي جمعة». ويضيف: «لم يُرد جنود الدولة المعركة، لكنهم اضطروا وهي ليست في مصلحتهم». ويكشف المصدر عن حصول اتصال بين «هيئة الصليب الأحمر» ومسلحين إسلاميين لبحث كيفية إجلاء الجرحى.


جبهة النصرة توافق على سحب مقاتليها من عرسال إذا أوقف الجيش العملية العسكرية


ورغم نفي المصدر المذكور، تزامن اندلاع المعارك في عرسال مع تداول مواقع التواصل الاجتماعي التي تدور في فلك «الدولة» وسم (أي «هاشتاغ»): «الدولة الإسلامية تتمدد إلى لبنان». وقد جرى تداول هذا الوسم على نطاق واسع، وترافق مع نشر أخبار عن «إنجازات جنود الدولة في مواجهة جيش الردّة اللبناني». وكان بين هؤلاء، أحد أبرز إعلاميي «الدولة»، ترجمان الأساورتي.
في المقابل، وبحسب مصادر «جبهة النصرة»، «نأت الجبهة بنفسها عن القتال الدائر بأمر من الشيخ أبو مالك التلي (أمير الجبهة في القلمون) إلى أن أصر الجيش والحزب على خرق الهدنة المتفق عليها واستمرارهم بقصف المدنيين». وتتحدث المصادر عن «اتفاق على هدنة مفترضة لوقف إطلاق النار بين الرابعة والسادسة من بعد ظهر أمس، لم يلتزم به الجيش، فدخلت الجبهة المعركة». وأوضحت أن «الجبهة هي المسؤولة عن اقتحام الكتيبة 85 وأسر عدد من عناصرها»، لافتة الى أن «قيادة الجبهة لا تزال حتى الآن مستعدة لسحب مقاتليها من عرسال إذا أوقف الجيش القصف والعملية العسكرية».
من جهته، في اتصال مع «الأخبار»، ناشد الشيخ الحجيري الجيش وقف القصف على عرسال لأن «الضحايا الذين يسقطون من المدنيين وليسوا من المسلّحين». وكشف أنّه مهدد من عناصر «الدولة الإسلامية» لأنه وقف في وجههم مانعاً إياهم من أخذ الرهائن.
هكذا، يبدو أن القرار قد خرج من أيدي أهل عرسال. لا الشيخ أبو طاقية ولا غيره، بحسب قولهم، قادرون على إقناع المسلحين بالانسحاب من البلدة. وهؤلاء بدورهم يقفون سداً مانعاً للحؤول دون خروج أهالي عرسال، لأن تحقق ذلك يعني إعطاء فرصة للجيش لـ«إبادة عرسال بمؤازرة طيران الجيش السوري ومسلحي حزب الله». حتى الآن، لا أحد يعلم إلى متى ستبقى عرسال محتلّة وأهلها رهائن في قبضة جند البغدادي.




أبو أحمد جمعة


عماد جمعة المعروف بـ«أبو أحمد جمعة» هو الرجل الذي أشعل توقيفه عرسال. جمعة مطلوب للأجهزة الأمنية بتهمة تشكيل مجموعة مسلّحة والانتماء إلى تنظيم محظور، علماً بأنه يقود لواء «فجر الإسلام» الذي يتراوح عديده بين 300 و400 مسلّح. وبحسب المعلومات، فإن ابن بلدة القصير كان قد انسحب منها باتجاه القلمون عقب سيطرة مقاتلي حزب الله عليها. وإثر توقيفه، ذكر بيان الجيش أنه اعترف بالانتماء إلى «جبهة النصرة»، علماً بأنه كان قد ظهر في تسجيل مصوّر منذ أسابيع عدة، متقدماً عشرات المسلحين يعلن مبايعته لـ«الدولة الإسلامية» و«الخليفة» أبو بكر البغدادي.



الشيخ مصطفى الحجيري

من لا يعرف الشيخ «أبو طاقية» في عرسال، بالتأكيد لم يزر البلدة قط. فقد ارتبط اسم البلدة البقاعية بالشيخ الستيني منذ بدء الأحداث في سوريا. ونشط الشيخ مصطفى الحجيري منذ بداياتها على مسار مساعدة النازحين السوريين إلى البلدة، عبر تقديم المساعدات لهم وأراض يملكها لإقامة مخيمات نزوح ما لبثت أن عُرفت باسمه. وبعد جملة أحداث أمنية عصفت بالبلدة، تردد اسمه بوصفه يوفّر حاضنة لمسلحي «جبهة النصرة». وتردد عقب ذلك في الإعلام أن الحجيري غادر البلدة إلى الجرود، لكنها كانت أخباراً غير دقيقة. الرجل الذي يقابلك بلباسه الباكستاني وقبعة لا تفارق رأسه، يرد على التُّهم التي تكال ضده في حديث مع «الأخبار» قائلاً: «نحن ضحايا أيضاً والإعلام يظلمنا». ويعتبر الرجل أنّه تحوّل شمّاعة تعلّق عليها كل القبائح، مشيراً إلى أن مواقفه لسحب فتيل تفجير عرسال وضعته في خطر داهم.





أبو حسن الفلسطيني

«أبو حسن الفلسطيني» اسمٌ ذاع صيته في الأسابيع الأخيرة بعد اتهامه بـ«عمليات خطف عراسلة وإعدامهم». الرجل بات أمير «الدولة الإسلامية» في القلمون رسمياً. ويُنسب إليه اتخاذ القرار باحتلال عرسال بعد توقيف الجيش أحد قيادييه عماد جمعة. وكان «أبو حسن» قد قاتل في مخيم اليرموك، قبل أن ينتقل إلى ريف دمشق الشمالي. وتشير المعلومات إلى أنّه كان في حركة «فتح الانتفاضة» قبل اعتناقه الفكر السلفي المتشدد. وتتحدث المعلومات عن أنّ «أمير الدولة» أخذ على عاتقه تطبيق الشريعة وإصدار الفتاوى، مشيرة إلى أنّه متهم بمعظم الإعدامات التي طاولت أشخاصاً من عرسال. ويقود «أبو حسن» قرابة مئة مسلح، إضافة إلى أفراد «لواء فجر الإسلام» الذي بايعه منذ نحو شهر. ويتنقل بمواكبة أمنية مشددة. وتذكر المعلومات أن «أبو حسن» فلسطيني لبناني، أقام مدة في لبنان قبل أن ينتقل للقتال في سوريا ويُعيّن أميراً لـ«الدولة الإسلامية» خلفاً لـ«أبو عبد الله العراقي»، أمير «الدولة الإسلامية» الذي انسحب إلى الرقة.