مع عظيم الخطر الذي تشكّله أزمة النازحين السوريين في لبنان، والأكلاف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تتكبّدها البلاد الآن وفي المستقبل، لا يزال الحلّ بالنسبة للقوى السياسية خلافياً، فيما يسهم تعارض الأجندات الدولية حيال هذا الملفّ في تعميق الانقسام والابتعاد عن الاجماع الوطني على المشكلة والحلّ في آن.

فبين زيارة الرئيس ميشال عون إلى موسكو في 25 الجاري وعلى رأس جدول أعماله ملفّ النازحين، ومشاركة الرئيس سعد الحريري والوفد المرافق في مؤتمر بروكسل غداً، ينقسم المشهد في الداخل اللبناني بين رؤيتين دوليتين ومشروعين سياسيين متعارضين. وإذا كان أصل المبادرة الروسية يقوم على إعادة النازحين إلى بلادهم من دون انتظار الحلّ السياسي، ما يعني تفعيل العلاقات اللبنانية - السورية ورفع مستوى التنسيق لحلّ أزمة النازحين بالتدريج، فإن أصل مؤتمر بروكسل والرؤية الغربية تجاه الملفّ، يقوم على ضمان بقاء النازحين في الدول المضيفة، لا سيّما لبنان، ودعم متطلبات هذا البقاء بما يصل حد «التوطين»، مع تأكيد رفض أي تقارب مع الحكومة السورية، وربط العلاقات بما يسمّى بـ«الحل السياسي». ما يعني بقاء ورقة النازحين سيفاً مصلتاً ضد الحكومة السورية، في أي استحقاق سياسي مستقبلي. من هنا، يأتي اختيار لائحة المدعوين من الوزراء مع الحريري، واستثناء وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب الذي يمثّل رؤية لبنانية مناقضة تماماً للأجندة الدولية، بالسعي لعودة النازحين عبر تفعيل المبادرة الروسية والتنسيق مع الجهات السورية المختصّة، من دون انتظار الحلول المستقبلية للأزمة السورية. كما تمّ استثناء الوزير جميل جبق من لائحة الدعوات، وتغييب وزارة الصّحة، أبرز الوزارات المعنيّة بهذا الملفّ، انسياقاً مع الأجندة الأميركية التي فتحت حرباً على توزير مقرّب من حزب الله في وزارة الصّحة، وحرّضت اللبنانيين قبل تشكيل الحكومة وبعده على رفض تحمّل جبق هذه المسؤولية.
وعلمت «الأخبار» أن الحريري تذرّع بداية بأن الدعوات يوجهها الاتحاد الاوروبي، قبل أن يتبيّن بأن دعوتين وجهتا الى الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل، وأن الجهة الداعية تترك لرئيس الحكومة تشكيل الوفد ممن يشاء من الوزراء. وفي المعلومات ان الحريري عاد ووافق، بعد اتصالات، على ضمّ الغريب الى الوفد على أن يبلّغ الأخير اليوم. إلا أن وزير شؤون النازحين الذي لم يكن في جو الاتصالات أصدر أمس بياناً شديد اللهجة أسف فيه لـ«توجه بعض القوى السياسية بغير المنحى المأمول منها وطنياً، حيث نرى إصراراً على العودة إلى سياسة الحكومة السابقة في ملف النازحين، وتجاوزاً لجميع الأصول والأعراف في الدعوة إلى مؤتمر بروكسل». وأضاف انّ «تجاوز دور وزارة الدولة لشؤون النازحين في مؤتمر بروكسل تجاوز لطريقة التفكير المغايرة والمقاربة الجديّة التي ننتهجها في معالجة هذا الملف بغية تحقيق العودة، وهذا ما لن نسمح به إطلاقا»، و«أن البعض يصرّ على اتباع سياسات مشرذمة لا تمتّ إلى مصلحة لبنان بصلة». ولم يتأكد حتى وقت متأخر ما اذا كان الحريري سيمضي قدماً في ضمّ الغريب الى الوفد بعد هذا الموقف. فيما علمت «الأخبار» أن باسيل لن يشارك في المؤتمر «لأنه بات تضييعاً للوقت، ولارتباطه بعشاء لمناسبة 14 آذار» بحسب مصادر مطلعة، علماً انه كلّف مدير الشؤون السياسية في الوزارة السفير غدي خوري تمثيل الخارجية.
وكان الوفد الحكومي الى المؤتمر، العام الماضي، ضم وزير الدولة لشؤون النازحين السابق معين المرعبي ووزير الصّحة السابق غسان حاصباني، فيما اقتصر الوفد الحالي على وزير التربية أكرم شهيّب ووزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان. وانتقدت مصادر وزارية بارزة تشكيلة الوفد، وكأن «المطلوب أن يذهب إلى بروكسل من لا يريد عودة النازحين ومن ينسجم مع الأجندة الغربية»، مضيفةً أن «الهدف من المشاركة يقولها المشاركون بصريح العبارة هو الحصول على الأموال للنازحين، ما يعني بقاءهم في لبنان، بدل الضغط ليتمّ دفع هذه الأموال لهم في سوريا لتشجيعهم على العودة». وبحسب المعلومات، فإن الوفد اللبناني سيطالب بالحصول على حوالي مليارين و600 مليون دولار، منها مليار دولار لـ«المجتمع المضيف»، أي للبنانيين، فيما التجارب السابقة أثبتت أن هذه الأموال لن تدفع عبر الحكومة اللبنانية بل عبر الجهات الدولية مباشرةً للنازحين.

مصادر وزارية: المطلوب أن يذهب إلى بروكسل من لا يريد عودة النازحين


من جهتها، تقول مصادر لبنانية رسمية إنّه «في السياسة، موقف الوفد اللبناني سيكون البيان الوزاري للحكومة»، مؤكّدةً أنّه لا توجد «وجهتَا نظر» في لبنان، فالجميع مُتفق على عودة النازحين إلى سوريا، ولكن الاختلاف هو حول كيفية حلّ الموضوع. فريق 8 آذار يعتقد أنّ ذلك يتحقق من خلال التواصل مع الدولة السورية، «ويستطيعون أن يُجرّبوا، وإذا نجحوا فالجميع معهم». أما فريق رئاسة الحكومة، «فيرى أنّ الحلّ الوحيد هو عبر المبادرة الروسية. وبإمكان روسيا أن تضغط على سوريا لتوفير الضمانات اللازمة لتأمين عودة النازحين». بالنسبة إلى المصادر الرسمية، الهدف الأهمّ الذي سيسعى إليه لبنان في المؤتمر، ليس تثبيت الموقف السياسي المعروف، بل إقناع «المجتمع الدولي» من أجل أن يستمر في اعتبار أزمة النزوح أولوية، وبالتالي توفير الدعم المادي لبقائهم. وسيطلب الوفد الرسمي من الدول المانحة «الاستمرار في تحمّل مسؤوليتها ودفع المال، طالما هناك نازحون في البلد». وتجزم المصادر بأنّه ما من ورقة لبنانية ستُقدّم، «فالبيان الوزاري هو المرجع، ورئيس الحكومة يُمثّل سياسة البلد».
وعلمت «الأخبار» أن الرئيس عون يولي اهتماماً لطرح مسألة النازحين من وجهة نظر لبنان في القمّة العربية في تونس آخر الشهر الجاري، وهو سيصطحب الغريب من ضمن الوفد الرسمي تأكيداً على هذا الموقف.
وفي سياق الإعداد للقمة العربية في تونس، صدرت مقررات مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، الذي عقد قبل أيام في القاهرة، متبنيّاً في فصل «التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية» البندَ السابع الذي نص على الآتي: «تحميل حزب الله الإرهابي ـــ الشريك في الحكومة اللبنانية ـــ مسؤولية دعم الإرهاب والجماعات الإرهابية في الدول العربية...»، كما ورد في البنود 3 و4 توصيف حزب الله بـ«الإرهابي»، الأمر الذي تحفّظ عليه لبنان، وبرّر مندوب لبنان الأمر بالتأكيد على أنه «لا يمكن الموافقة على الأمر لكونه خارج تصنيف الأمم المتحدة وغير متوافق مع المعاهدة العربية لمكافحة الإرهاب، خاصة لناحية التمييز بين المقاومة والإرهاب، ولكون حزب الله يمثّل مكوّناً أساسياً في لبنان وشريحة واسعة من اللبنانيين، ولديه كتلة نيابية ووزارية وازنة في المؤسسات الدستورية اللبنانية»، مطالباً بحذف كل ما يتعلق بحزب الله حتى تتمّ الموافقة على البيان.