الواقع الحالي

قبل الحديث عن الانحدارات المتتالية، والتي بدأت أولى ملامحها عام 2010 ـ على ما يقول بعض العارفين ـ يمكن بدء القصة من اليوم. من الواقع الذي تعيشه المستشفيات الحكومية في هذه الآونة. في آخر «آبدايت» للوضع، تعاني نصف المستشفيات الحكومية، بأقل تقدير، من الشح الكبير في مواردها المالية، بسبب عدم صرف مستحقاتها، وتحديداً تلك التي في ذمّة وزارة الصحة العامة، إضافة إلى ما لها في ذمم الصناديق الضامنة. لا جردة بالحسابات لما في الذمم، ولكن تشير مصادر وزارة الصحة إلى أن المبالغ المستحقة للمستشفيات في ذمتها هي بحدود 166 مليار ليرة لبنانية، تقع ضمن ما يسمى عقود المصالحة (أي تلك التي تفوتر ما بعد انتهاء السقف المالي المخصّص لكل مستشفى). ويغطّي المبلغ تقريباً الفترة الواقعة ما بين عام 2000 وحتى 2018. كان يمكن للمبلغ أن يكون أقل من تلك النسبة، لو أن التسوية التي أقيمت لعقود المصالحة ما بين عامَي 2000 و2010 قد شملت المستشفيات الحكومية. غير أن ما جرى حينذاك أن الحلّ المقترح، وهو تغطية المصالحات بسندات خزينة، لم يكن ممكناً تطبيقه على المستشفيات الحكومية، إلا عبر إصدار قانون خاص، كون الأخيرة لا تستطيع بحسب القانون تقاضي سندات خزينة.

ساهم العجز والديون في «فرملة» بعض الخدمات وتراجع دور المستشفيات الحكومية (مروان طحطح)

هذا في المقام الأول. أما في المقام الثاني، فهو ما ترتّب نتيجة عدم الصرف الذي يُترجم بين الحين والآخر باعتصامات الموظفين المطالبين برواتبهم العالقة منذ أشهر. فثمة رواتب لم يتقاضَها الموظفون في بعض المستشفيات منذ 14 شهراً وأخرى منذ سبعة أشهر وأخرى منذ ثلاثة أشهر. وأمام هذا الواقع، لا يجد بعض الموظفين خياراً سوى اللجوء إلى الاعتصامات التحذيرية لإيصال صوتهم.

سوء إدارة وفساد
لكن، من الذي أوصل الأمور إلى هنا؟ ليست المستحقّات العالقة بين الصناديق والجهات الضامنة هي التي أوصلت وحدها الوضع إلى حافة الانهيار، وإن كانت هي الأبرز، إلا أن ثمة عوامل أخرى ساهمت في «الانهيار». فالمشكلة لا تنحصر فقط في تقاعس الدولة عن دفع المستحقات إلى أصحابها، وإنما أيضاً في سوء الإدارة فيها والفساد المستشري في مجالس إدارات المستشفيات. وهذه مسؤولية مزدوجة، إن كان من ناحية «سوء المديرين ومجالس الإدارات والفساد المستشري هناك»، أو من ناحية وزارة الوصاية ـ وزارة الصحة العامة ـ التي لا تنتج مجالس إدارات وفق «المواصفات»، إذ غالباً ما يتم التعيين مسبوقاً بـ«التوافق السياسي»، وليس عبر الأطر الصحيحة، أي المرور عبر مجلس الخدمة المدنية. وهذه أزمة نظام كامل. يضاف إلى هذه المنظومة، ما يمكن الحديث عنه في ما يخصّ «عمليات التوظيف الكبيرة التي حصلت في المستشفيات في مرحلة الانحدار، وضعف مراقبة الدولة لهذا القطاع وعجزها عن وضع استراتيجية واضحة لإعادة إحيائه»، يقول وزير الصحة السابق محمد جواد خليفة. ويضيف أسباباً أخرى منها وقوع المستشفيات تحت العجز والديون، والأهم من ذلك كله «أنه لم يُصر إلى تجهيز هذه المستشفيات وتطويرها كما يجب».

نهضة في المستشفيات الحكومية
قبل أن يصل الوضع إلى ما هو عليه اليوم، كان ثمة «أمل» في تطبيق استراتيجية «تأمين الصحة للمواطن اللبناني»، يقول خليفة. تأتي هذه الاستراتيجية لاعتبارات، منها «غلاء الخدمات» في المستشفيات الخاصة ورفض مستشفيات خاصة أخرى بعض الحالات. من هنا، كان هناك دور أساسي لم تكن المستشفيات الخاصة تقوم به، «وكان يجب أن تتوّلاه المستشفيات الحكومية». ومن هذه الأدوار، يعدّد خليفة مثلاً «بعض العلاجات أو الأمراض التي لم تكن تأخذ حقها في المستشفيات الخاصة ومنها مثلاً دور الرعاية والأمراض النفسية وغيرها». في الجانب الآخر من الدور الذي يمكن أن تلعبه المستشفيات الحكومية من خلال «امتصاص كلفة الخدمات»، ويمكن الحديث هنا عن الفارق بين كلفة ما يدفعه المريض «على الفاتورة في الحكومي وما يدفعه في الخاص». ففي السابق كان «فارق» الفاتورة 50% في الحكومي ثم ارتفع ليصبح 10%، ومع ذلك يبقى أقلّ مما يدفعه في المستشفى الخاص والذي تبلغ قيمته 15%.
لكلّ هذه الأسباب، كان التعويل على «الحكومي». ومن هنا، كان «العمل» الذي بدأه خليفة أثناء تولّيه الوزارة، حيث عمل على افتتاح معظم المستشفيات الحكومية وإطلاق العمل بها تدريجياً، في الفترة الواقعة ما بين عامي 2005 و2009. في ذلك الوقت، كان هناك «3 مستشفيات تعمل فقط وهي مستشفى ضهر الباشق والنبطية الحكومي وتنورين، فيما البقية مقفلة برغم أن أبنيتها كانت منجزة، إلا أن الوضع كان مزرياً، ذلك أن التجهيزات التي في داخلها كانت مهترئة نظراً إلى انتهاء صلاحية صيانة المعدات فيها».
بعد افتتاحها، قامت المستشفيات بدور كبير. «شالت شغل منيح» تجلّى على الأقل في تحسّن مؤشر الإنفاق المباشر «من جيب المواطن» الذي انخفض من 70% إلى 30%، بحسب منظمة الصحة العالمية في ذلك الوقت. كما زادت أعداد المرضى الذين لجأوا إلى العلاج فيها. كذلك خضعت المستشفيات في حينها لنظام «جودة الخدمات» (accreditation) ما زاد «الثقة فيها»، بحسب خليفة.

تراجع من جديد
بعد ذلك، انتهى ما كان يمكن التعويل عليه. فقد ساهم العجز والديون في «فرملة» بعض الخدمات وتراجع دور المستشفيات الحكومية، خصوصاً في ظلّ التقاعس عن تجهيزها أو تطوير معدّاتها وخبرات العاملين بها. وهو سبب كافٍ للدخول في مرحلة «موت سريري» مستمرّ إلى الآن. وهو ما قاله وزير الصحة، جميل جبق، بعد 3 أشهر من تسلّمه مهام الوزارة بأن «90% من المستشفيات الحكومية متهالكة».
ما قبل فترة الانتعاش وما بعدها، كان ثمة واقع عاشته وعايشته المستشفيات. فما قبل، لم تكن وزارة الصحة وزارة وصاية كما هي اليوم، وإنما كانت تدير المستشفيات الحكومية بكل تفاصيلها. وكانت في تلك الفترة التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية تقوم بـ«أشياء عادية». وخلال تلك الفترة، كانت تستلزم الطبابة «في حال أرادت الدولة المساعدة» أن يأتي المريض بـ«شهادة فقر حال من المختار»!
بالتوازي، ذهبت الوزارة إلى التعاقد مع القطاع الخاص في الموضوع الاستشفائي، فكان التعاقد مع المستشفيات الخاصة «حاجة ماسة لمعالجة الأمر الواقع في حينه». وحتى بعد انتهاء الحرب، ظلت علاقة وزارة الصحة مع المستشفيات الخاصة «بوجهها الرعائي»، والذي كان يُدار وفق مبدأ عدد الأسرّة، وهو المبدأ الذي «أثبت فشله ولم يحل المشكلة التي كانت قائمة»، ولما لم يكن هذا المبدأ «مجدياً»، كون توزيع الأسرّة كان مرهوناً «بالتوزيع المناطقي والطائفي»، اتّجهت الدولة نحو نظام «السقوف المالية»، وقد أثبت هو الآخر فشله بسبب المبدأ نفسه: التوزيع المناطقي والمحاصصة الطائفية. ولكن، كان يمكن أن يكون «نظاماً سليماً، لو قُرن بنظام الإحالة (إحالة المريض بحسب منطقة السكن ومكان العلاج والتحويل...)». وهذه المشكلة لا تزال قائمة إلى الآن. وهنا المسؤولية مزدوجة، إن كان من ناحية وزارة الصحة والصناديق الضامنة التي تتقاعس عن القيام بواجباتها في ما يخصّ التدقيق بفواتير الاستشفاء والرقابة عليها، أو كان من ناحية معظم المستشفيات التي تعمل جاهدة على مبدأ تخطّي السقف «بقرد وسعدان».
المشكلة لا تنحصر فقط في تقاعس الدولة عن دفع المستحقات إلى أصحابها، وإنما أيضاً في سوء الإدارة فيها والفساد المستشري في مجالس إدارات المستشفيات


بعد الحرب ومن ثم اتفاق الطائف، جرى «تخصيص الإمكانات لبناء قطاع صحيّ يؤمّن الرعاية الصحية الكاملة». وخلال تلك الفترة، كانت هناك خريطة واضحة للبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية للقطاع الصحي، تعتمد على نظام «بناء المستشفيات المركزية ومراكز العناية الأولية المتطورة». ولكن، برغم هذه الخريطة، خضع توزيع المستشفيات «للخريطة المناطقية والطائفية، ولم يطبّق المبدأ كما هو، أي اعتماد مستشفيات محافظة وأخرى مناطقية صغيرة». بنيت المستشفيات كما فرض الأمر الواقع، وكذلك الأمر لمراكز الرعاية التي وزعت سياسياً. لكن، ما شهدته تلك الفترة وهو أن المستشفيات الحكومية استحالت «مؤسسات عامة مستقلة». ويحمل هذا التعديل وجهين أحدهما إيجابي، وهو استقلالية مجالس إدارتها بعيداً عن الإدارة المباشرة من الدولة المتمثلة بوزارة الصحة التي أصبحت وزارة وصاية، وثانيهما سلبي يترجم حالياً بسوء الإدارة وفساد معظم المجالس الإدارية.



المستشفيات الحكومية بالأرقام
تتوزع المستشفيات الحكومية على غالبية المناطق اللبنانية، ويبلغ عددها 33 مستشفى، منها ما هو «شغال» ومنها ما هو عاطل عن العمل. والمستشفيات العاملة هي زحلة الحكومي، النبطية الحكومي، تنورين الحكومي، بيروت الحكومي (رفيق الحريري)، ضهر الباشق، حلبا الحكومي، سير الضنة الحكومي، راشيا الوادي الحكومي، بعبدا الحكومي، بيروت الحكومي (الكرنتينا)، صيدا الحكومي، إهدن الحكومي، طرابلس الحكومي، سبلين الحكومي، بنت جبيل الحكومي، بشري الحكومي، أورانج ناسو الحكومي (طرابلس)، جزين الحكومي، الهرمل الحكومي، الشحار الغربي الحكومي، بعلبك الحكومي، البوار الحكومي (كسروان)، حاصبيا الحكومي، خربة قنافار، تبنين الحكومي، المنية الحكومي، مرجعيون الحكومي، قانا الحكومي.
أما المستشفيات المتوقفة عن العمل والتي لا تعمل فهي قرطبا الحكومي والسكسكية الحكومي والمستشفى التركي في صيدا ومستشفى الشيخ خليفة في شبعا.