نعم، للمال الانتخابي وجه «جميل». شئنا أم أبينا، لكنه موجود. منذ ٧ أيار الماضي، يوم إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية في لبنان، ما تزال حملات الانتقاد مستمرّة بالتهجّم على مساوئ المال الانتخابي. وتيرة التشكيك بدور المال في تركيبة المجلس النيابي الجديد، اشتدّت لدرجة قيام قوى وأحزاب سياسية بتقديم طعن بالنتائج لمجلس شورى الدولة.

بينما كان رجال السياسة يتابعون التسابق على كشف أسماء جديدة ليقدموها لوسائل الإعلام لتجري إضافتها الى لائحة اللاعبين بالمال الانتخابي، كان رجال الإعلان يراقبون باهتمام شديد، ارتفاع سقف الإنفاق الإعلاني خلال شهري نيسان وأيار حتى وصل الى الـ 330 مليون دولار، بالرغم من الوضع الاقتصادي الهش والغير متحسّن.
سقف الإنفاق الإعلاني الجديد سلط الضوء على زيادة وصلت الى الـ 20% عن نفس الفترة من عام 2017 حين كان حجم السوق 279 مليون دولار فقط.
من الواضح بدون أي شك أن الـ 540 مليون دولار الإضافية هذه سببها المال الانتخابي موضوع شكوى الآخرين، الذي صرف الجزء الكبير منه من قبل الكتل والأحزاب والـ 976 مرشحاً الذين استفادوا من القانون الانتخابي الجديد الذي أجاز لكل مرشح أن ينفق على حملته الانتخابية من أمواله الخاصة مبلغاً مقطوعاً قدره 100,000 دولار يضاف إليه مبلغ إضافي مرتبط بعدد الناخبين في الدائرة الذي ترشّح عنها وقدره 330 دولاراً عن كل ناخب مسجل على لائحة الشطب الخاصة بتلك الدائرة.
المرشحون تسابقوا لعرض صورهم الشخصية من خلال اللوحات الإعلانية ولم يكتفوا بل رفعوها على المباني الشاهقة الارتفاع والجسور والأسوار والأشجار فلم يتركوا أي مساحة فارغة على مدّ النظر إلّا واحتلّوها.
استعمل بعض الأحزاب المال الانتخابي الغزير لإطلاق حملات تشويق إنتخابية.

بلغ الانفاق الإعلاني خلال شهري نيسان وأيار 330 مليون دولار


الجديد الآخر في هذه الحملات هو امتدادها الجغرافي خارج مناطق التواجد التقليدية لهذه الأحزاب بل عبر الحدود – إذا جاز التعبير – الى قلب المربعات الجغرافية للخصوم والمناطق التي لم يسبق لهم التواجد فيها.
هذا المال جعل محطات التلفزيون الثلاث الرئيسة والتي كانت الحرب محتدمة فيما بينها خلال شهر شباط لإعلان هدنة سريعة جمعتها للاتفاق على لائحة إعلان انتخابية موحدة فتحت أبواب الاستديوهات لاصطفاف المرشحين امامها للدخول بالدور والإدلاء بطرائف حياتهم التي كرست أكثرها لخدمة المجتمع والمساهمة بكل ما هو بنّاء ومفيد. هذه اللوحات الفردية الغريبة، حلّت مكان معظم البرامج الأخرى فهي مدفوعة الثمن وقد وفّرت على المحطات التلفزيون كلفة الإنتاج.
لا يكتمل هذا الاستعراض لبرامج التلفزيون خلال شهري نيسان وأيار دون ذكر طرفة فريدة على ذمة الراوي: اتصل رئيس حزب كبير بصاحب إحدى محطات التلفزيون المحسوبة على خطه السياسي معاتباً عدم ظهور أي من مرشحيه في برامج هذه المحطة المفضلة من آلاف المشاهدين. رد صاحب المحطة بلهجة عاتبة شاكياً من المبالغ الكبيرة في ذمة هذا الحزب لقاء مقابلات كثيرة أجريت في السابق ولم تدفع فواتيرها. تعجب رئيس الحزب واحتدّ في المعاتبة واعداً أنه لم يسبق لأي لبناني مطالبة حزبه بأي فلوس وانتهت المكالمة عندها. في الأسبوع الذي تلى مكالمة العتاب هذه، سيطر محازبو هذا الحزب على جميع مقابلات وجلسات الحوار في المحطة نفسها.
ويتابع الراوي أن المبلغ الكبير المتأخر سدد بأكمله خارج الحدود عبر إحدى المكاتب الرئيسية لتسويق الإعلان التابع لهذه المحطة في إحدى دوّل الخليج.
الظاهرة الجديدة في الانتخابات اللبنانية هذه السنة أن المشككين التقليديين في نزاهة الانتخابات عندنا تابعوا البحث عمّن وزع الأموال لشراء أصوات الناخبين، بينما تابع من اعتاد أن يستفيد من دولارات المرشحين في البحث عن المرشح الذي يدفع أكثر ولم يجده؟
على ما يظهر فإن المال الانتخابي آمن بفعالية الإعلان، فساهم مساهمة مؤثرة وفعّالة بمساعدة سوق الإعلان في لبنان لمتابعة السباحة بعكس التيار.

* رئيس مجلس إدارة مجموعة TBWA\RAAD