يقال، إنه في هذا الزمن، إذا أردت أن تعرف المزاج العام لشعب ما، ما عليك إلا أن ترصد طبيعة إعلاناته.

تعكس الإعلانات أفكاراً يختزنها المجتمع ويعّبر عنها فردياً وجماعياً حتى من دون أن يشعر أحياناً كثيرة.
تأتي هذه الأفكار الإعلانية لتعكس حقيقة ما يمر به هذا المجتمع ومقاربته لشتى الأمور لا سيما في نزعته الاستهلاكية وتوجهاتها.
في لبنان، يكثر الحديث اليوم عن أن سوق الاعلانات تمر بواحدة من أصعب أوقاتها. قد تكون الفترة الأصعب على القطاع حتى مقارنة بأيام الحرب الأهلية.

حين يحجم المعلن (شركات كانت أو مؤسسات، أو أفراد أو هيئات...) عن الإعلان، فهذا يعني في الحسابات التجارية أمرين لا ثالث لهما: إما يأس من المردود المنتظر للعملية نفسها، أو عدم الحاجة إلى "الخبرية" برمتها.
تماما كالصراخ وحيداً في صحراء. لا نتيجة، ولا منافسين.

■ ■ ■


سئل الملياردير الأميركي وارن بافيت المعروف "بزهده وأعماله الخيرة" مقارنة بأمثاله من الأثرياء في لقاء مرة مع مجلة "فورتشن"، هل تحب المنافسة؟
الإجابة كانت قطعية، كما ينقلها الصحافي الذي أجرى الحوار: "لا أحبّها على الإطلاق. ولا أعرف أي رجل أعمال جيّد يحبّها".
في كل السلوكيات اللاحقة التي قام بها بافيت، كان واضحاً تفضيله للشركات والمشاريع التي تعمل في "جزيرة منعزلة" أو تلك التي تعمل في قطاع احتكاري.
القطاع الخاص في لبنان اليوم علم أم لم يعلم، يعمل برؤية بافيت. قد يكون ذلك منطقياً لأي عقلية تجارية ربحية، لكنها: فراغ في الحياة الاقتصادية يولّد غياباً في المنافسة بين الأقران، وعدم مبالاة تجاه "الجمهور المستهدف"، إن لم نقل لا اكتراث بردود الفعل لديه جراء غياب البدائل.

■ ■ ■


تعود المقولة الإنكليزية الشهيرة: "الأقران يبغضون بعضهم بعضاً" إلى القرن الخامس عشر على الأقل. قبل فترة طويلة من استعمال شكسبير لها وإضافة عبارة "وتنبعث منهم روائح كريهة أيضاً" عليها.
مع تنامي تأثير وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات الاتصال والمعلوماتية باتت الروائح الكريهة المنبعثة أكثر كراهة.
"الأقران" في القطاع الخاص اللبناني اليوم لا يجدون حاجة أو جدوى من الإنفاق الإعلاني في السوق اللبنانية كما تدل الأرقام.
إنها في الحقيقة، مؤشر خطير لمدى تراجع الدورة الاقتصادية العامة في البلد، والإذعان التام من قبل "الجمهور" الذي لا يبدو أنه بحاجة حتى "لتهييج" كي يخلع ملابسه.