للذهب تاريخ طويل ودور بارز في الاقتصاد والتجارة، لا يزال قائما منذ أمد طويل. ولطالما كانت هذه المادة التي اكتشفت في العصور القديمة، علامة على الثروة والوضع الاجتماعي الراقي في غالبية المجتمعات. فمنذ أن استخدم أول مرة كعملة، اكتسب الذهب اهمية كبيرة ازدادت مع الوقت بحيث أصبح مقياسا للثروة وأساسا للتبادل التجاري بين البلدان. ومع مرور الوقت اصبح بمثابة ضمان.


مؤشر استقرار

العلاقة بين المعدن الأصفر والاستقرار الاقتصادي متينة. من هنا، سعت غالبية الدول لشراء الذهب كونه معدنا "بربريا" يصعب تدجينه ويعتبر خزان قوة. ولهذا السبب، تشتري المصارف المركزية الذهب وتخزنه. ويعود هذا الأمر لأسباب عدة، منها: تنويع المحافظ الإستثمارية، توزيع الأخطار التي تضعها المصارف المركزية على عدة أمور منها سوق العملات الأجنبية والذهب وتوزعها ايضاً على الإحتياجات غير المتوقعة من الناحية الاقتصادية، ومن أجل الحفاظ على الأمن الاقتصادي، وعلى الثقة بالعملة الوطنية.
وعلى رغم ارتفاع اسعار النفط في السنوات الماضية، الا ان الذهب لم يتأثر، وبقي محافظا على استقلاليته ومكانته، فلا يزال الطلب اليوم على هذا المعدن قوياً، ومن المتوقع ان يزداد الطلب عليه اذا ما استمر سعر النفط بالانخفاض.

تأثير إيجابي

يرى الخبير الاقتصادي غازي وزني "ان السبب الرئيسي لتحسن سعر الذهب الذي يساوي اليوم حوالي 1300 دولار للاونصة، هو انخفاض سعر برميل النفط عالمياً. لذلك فان تأثير سعر النفط على الذهب ايجابي من ناحية التوظيف في الاسواق، فبدلا من ان يستثمر الناس في اسواق النفط، يتوجهون لاستثمار الذهب لكونه الملاذ الآمن".
بدأ لبنان شراء الذهب عام 1950، وكان يملك في تلك الحقبة نحو 18 طناً فقط. وفي عام 1971 اصبح يملك 287 طناً، ولا يزال هذا الحجم نفسه حتى اليوم. تجدر الاشارة الى ان كل طن يساوي 32 الف اونصة ذهب، اي ان احتياط لبنان من الذهب يبلغ 9 ملايين و222 الف اونصة قيمتها حوالي 11 مليار دولار. وبالتالي لا تغطي هذه القيمة سوى نسبة تقارب 20% من قيمة الدين العام الذي بلغ بحسب آخر نشرة اقتصادية صدرت عن مصرف لبنان في ايلول الماضي 56 مليار دولار، الامر الذي يدعو للتساؤل عن السبب وراء طرح البعض فرضية سد جزء من الدين العام من خلال احتياطي الذهب.
فقد اثبتت التجارب ان السياسة العامة ضد هذا المبدأ، وخير مثال على هذا مؤتمر باريس 2 الذي طرحت خلاله فكرة التصرف بالذهب لسد جزء من الدين. غير ان هذا الاقتراح لقي معارضة، كونه لا يحل الا جزءاً بسيطاً من المشكلة ويؤدي الى خسارة لبنان، ليس فقط ذهبه وانما الثقة والاستقرار للعملة الوطنية، كما يرى البعض.

ارباح غير محققة

حجم الذهب ثابت وتحسب قيمته من ضمن ميزانية مصرف لبنان بحسب السعر العالمي للاونصة. اذا، صحيح ان هناك دخلاً ينتج عن الذهب، ولكن هذا الدخل صوري وليس فعلياً، فالسياسة التي يتبعها مصرف لبنان تقوم على تسجيل ارتفاع سعر الذهب من دون أن تكون هناك أرباح محقق. وبالرغم من أن سعر الذهب في ارتفاع، لا نستفيد من هذا الارتفاع لان القانون يمنع اي تصرف بالاحتياط لدوافع لها علاقة بالعوائد المالية.

ليس للبيع

في هذا الاطار يعتبر، عميد كلية ادارة الاعمال والاقتصاد في جامعة سيدة اللويزة الدكتور ايلي مناسا "ان الذين يراهنون على بيع احتياط الذهب لتسديد جزء من الدين العام او لحل بعض المشاكل الاقتصادية، مخطئون لعدة اسباب: اولا ان هذه الفكرة مرفوضة من قبل الأكثرية، اذ ان لا احد يبيع ذهبه، خاصة في ظل ارتفاع سعره العالمي وازدياد الطلب عليه. وقد اكدت تجارب الدول التي اقدمت على بيع احتياطها انها قامت بخطوة ندمت عليها في ما بعد، وخير مثال على ذلك بريطانيا التي خاضت تجربة بيع الذهب بين عامي 1999 و2000 عندما باعت نحو ثلثي احتياطها من الذهب قبل ان ترتفع الاسعار لاحقا".



ويضيف "ثانيا، قيمة ذهب مصرف لبنان لا تغطي سوى 20% من قيمة الدين العام، وبالتالي فان هذا الاقتراح يؤدي الى اهتزاز مكانة الليرة اللبنانية في السوق المحلية والدولية من دون ان تحل المشكلة الفعلية. فالذهب هو ضمانة اقتصاد الدولة التي تملكه. ثالثا، اللبنانيون لا يثقون بالطبقة الحاكمة، ومن الخطر ان يتم التصرف بالذهب لانه كل ما نملك، واذا ما تم التصرف به فقد ينهار الاقتصاد والعملة الوطنية معه. رابعا، في العام 1986 صدر قانون 86-42 الذي منع التصرف بذهب مصرف لبنان اضافة الى اتباع مصرف لبنان سياسة دعم العملات الاجنبية منذ نشوئه وسن قانون 1986خوفاً من بيع كل الذهب الذي نملكه فنصبح من دون مخزون ذهب في المستقبل".

سلبي وإيجابي

قد يكون لمنع التصرف بالذهب تأثيران، الاول ايجابي والثاني سلبي نوعا ما:
الإيجابي يتمثل بالإبقاء على الذهب بينما ترتفع أسعاره عالمياً. وهذا الامر يتيح للبنان ان يملك ثروة. أما التأثير السلبي فيكمن في عدم الاستفادة من ارتفاع أسعار الذهب.
يؤكد العديد من الخبراء ان هناك امكانية للاستفادة من جزء منه وفق شروط معينة وواضحة كما فعلت بعض الدول: فايطاليا، على سبيل المثال باعت جزءاً من مخزون الذهب لديها في العام 1974 من اجل مشاريع نافعة، كذلك باعت الهند ذهبها عام 1991. بهدف تحسين الوضع الإقتصادي. ورغم حق كل دولة بالتصرف بمخزونها، غير انه يوجد قانون عالمي ينظم ويراقب عملية بيع الذهب حتى لا يصبح هناك عرض كبير بالسوق فتنخفض الأسعار بشكل كبير.
في هذا الاطار يوضح مناسا "انه اذا ما اصبح لدينا استقرار امني وكل ما يرافقه من تحسن للوضع الاقتصادي، واذا ما وضعت الدولة خططا شفافة، يمكن ان يتم تعديل القانون القديم الذي كان ضرورة ملحة في تلك الحقبة بحيث يجيز القانون الجديد التصرف بحوالي 20% من هذا الاحتياط في الاستثمارات المنتجة التي تعوم الاقتصاد كالمشاريع النفطية، وليس في تسديد الديون. يمكننا اذا في هذه الحالة ان نحقق مبالغ وارباحا طائلة. فاذا ما وضعت الدولة سياسات مالية شفافة اضافة الى رقابة جدية، بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي يمكن للبنان ان يستفيد من ارتفاع سعر الذهب العالمي".

بدأ لبنان شراء الذهب عام 1950، وكان يملك وقتها نحو 18 طنا فقط وفي عام 1971 اصبح يملك 287 طنا، ولا يزال هذا الحجم نفسه حتى اليوم

من جهته يعتبر وزني "ان الفساد المنتشر في بلد كلبنان حيث الرشاوى والمحاصصة لا يجيز التصرف بالذهب مهما كان السبب لان الثقة بالطبقة الحاكمة معدومة. وبما ان هذه الطبقة هي نفسها، لم ولن تتغير على المدى المنظور، فمن الافضل ان يبقى القانون الحالي كما هو. فاي تعديل في القانون قد يؤدي الى خسارة كل ما نملك. ولو كنا في بلد آخر لكان من الممكن التصرف بجزء من هذا الاحتياط في مشاريع مهمة، لكن في لبنان هذا لن يحدث".

ذهب لبنان في اميركا

يوجد قسم من ذهب لبنان في مصرف لبنان، أما القسم الاكبر منه فموجود في الولايات المتحدة الاميركية، ولذلك سلبيات وايجابيات، اذ يشكل وجود قسم من الذهب خارج البلاد خطرا وضمانا في آن. فهو خطر لأنه في حال صدر بحق الدولة اللبنانية اي تحكيم دولي يجبرها على دفع مبالغ طائلة من المال لن تستطيع الدولة الوصول الى ذهبها الموجود خارج لبنان ويمكن أن يتم حجزه.
كمثل مشكلة شركات الهواتف النقالة التي واجهها لبنان منذ بضع سنوات، عندما قرر المسؤولون اللجوء الى محكمة دولية للبت في القضية. لو حصل هذا الامر آنذاك واصدرت المحكمة قرارا اعطت فيه الحق للشركات، خاصة وانها اميركية وعالمية، عندها كان من الممكن ان يحجز الاحتياط ليتم الدفع منه وفق حكم القضاء.
"من جهة اخرى، من الجيد ان نترك قسما من الذهب خارج لبنان. فهذا ما تفعله غالبية الدول اذ تترك قسما لديها وتحفظ الباقي في الولايات المتحدة. خوفا من امكانية الوصول للذهب وسرقته. الى ذلك هو ضمانة وعامل ثقة. فلبنان بلد مستدين من دول خارجية والذهب هو ضمانة لهذه الدول افضل مما اذا كانت الكمية كلها موجودة في لبنان. وفي حال حدوث ازمة طارئة يمكن ان يسيل. من هنا ليست المسافة عائقا كما يعتبر البعض"، يشير الخبير الاقتصادي وليد بو سليمان.

لا فائدة من الشراء

عن عدم شراء لبنان المزيد من الذهب، يوضح مصدر مطلع في مصرف لبنان "ان لا فائدة مباشرة لزيادة حجم احتياط الذهب. علما ان قرار الزيادة بيد مصرف لبنان، الا ان سياسة المصرف تفضل ابقاء حجم احتياط العملات الاجنبية خاصة الدولار لديها مرتفعا. لان المصرف اذا اشترى المزيد من الذهب فلن يتمكن من التصرف به بحكم القانون. اما اذا ما كان يملك العملة الصعبة فهذا يتيح له التدخل في السوق وفقا لما تقتضيه الحاجة. ففي حال واجه لبنان مشكلة اقتصادية، يتوجه الناس لشراء الدولار خوفا من انهيار سعر الليرة اللبنانية. وهذا قد يؤدي الى ارتفاع سعر الدولار على حساب الليرة. من هنا ان امتلاك مصرف لبنان نسبة كبيرة من احتياط العملات الاجنبية يجعل منه المسيطر على السوق. فاما يقوم بسحب الدولار واما العكس. هذا التدخل يساهم في المحافظة على سعر الليرة."
في الاطار عينه يرى بو سليمان "ان التقلب في اسعار الذهب يقابله تقلب باسعار العملات الاجنبية. لذلك فليس من الضرر ان تكون محفظة الاحتياط منوعة فالذهب هو الملاذ الآمن والعملات الاجنبية تتيح امكانية التحكم بالسوق."
الذهب ليس للبيع، وهذه الفكرة غير واردة. لا من اجل تسديد الدين العام ولا من اجل اي اصلاح مالي. وكونه عامل ثقة لا يحمي الليرة فقط بل ايضا يدعمها ويعزز الثقة لدى المواطن. وبما ان الشفافية المالية غائبة، من الافضل ان يقتصر دور ذهب لبنان على تأمين الثقة من ان يخاطر لبنان باقتصاده وعملته ومكانته.