انطلقت «ثورة 25 يناير» من رحم صفحة على «فايسبوك» تحمل اسم «كلنا خالد سعيد» بعد مقتل الشاب السكندري على يد الشرطة في عنف موثق بالكاميرات. اختيار ذلك التاريخ جاء بمناسبة حلول «عيد الشرطة» الذي بقي لسنوات قليلة بعد الثورة لا يُحتفل به مقابل «عيد الثورة»، قبل أن يخجل الإعلام الذي نشأ بعد «25 يناير» حتى من ذكر اسمها رغم النص عليها في الدستور أنها «ثورة شعبية». في ذلك اليوم، خرج المصريون ضد وزارة الداخلية في تظاهرات سلمية منددة بالتعامل العنيف والإهانات التي يتعرض لها أي مواطن في أقسام الشرطة أو على يد «زوار الفجر» الذين يقبضون على الشباب ويزجون بهم في السجون التي جرى حصارها واقتحامها.

لم تستطع «الداخلية» مجاراة الأحداث، ومع أن الجيش حل محلها لعامين في الشارع تقريباً، لكن ضباط الوزارة وعساكرها استطاعوا أن يتلوّنوا بما يتوافق مع الأحداث، بداية من التظاهر بالاستسلام والتفاعل مع تحقيقات النيابة في وقائع عدة، وصولاً إلى تقديم ضباطها إلى المحاكمات ووقوفهم في أقفاص الاتهام، انتهاء ببراءة ضمنت لهم حياة كريمة وعفواً عن ما ارتكبوه من جرائم بحق الشعب هم ومن سبقوهم في المناصب، وعلى رأسها أكثر من 1500 شهيد في الثورة غالبيتهم من الشباب، ومنهم متظاهرون أُطلقت عليهم النيران وآخرون دهستهم سيارات الشرطة وعشرات قُتلوا على الشرفات بسبب الرصاص الطائش، فيما تحوّلت إثباتات إطلاق النار على المتظاهرين من أدلة إدانة بالسجن المؤبد في محكمة أول درجة لتكون أدلة براءة على مبدأ أن ما فعله الضباط هو دفاع شرعي عن النفس!

بقيت الوزارة ذليلة لثلاث سنوات قبل أن تعود إلى سياستها القديمة


«الداخلية» التي ظلّت ذليلة لثلاث سنوات تقريباً، وبات ضباطها يتحدثون بوصفهم شرطة مدنية وفق نص القانون، لدرجة مشاركتهم في التظاهرات خلال حكم «الإخوان المسلمين» ورفضهم تفرقة المتظاهرين إبان حكم محمد مرسي بل رفع ضباطها لافتات تطالب بإسقاطه... هي نفسها اليوم تمارس عمليات عنف وقتل وابتزاز لا تتوقف، ومن دون أدلة أو وجه حق. وبينما كانت «يناير» سبباً في دخول وزيرها الأسبق حبيب العادلي إلى السجن ورموز نظام محمد حسني مبارك بمن فيهم الرئيس المخلوع نفسه، مع إدانتهم جميعاً بارتكاب جرائم رغم محو الأدلة وتدميرها بمعاونة مساعديهم، فإنهم عاشوا في السجن حياة الأمراء. ورغم نقلهم إلى سجن طره وعلاجهم في مستشفيات محددة، جاء ما كُشف بعدها بسنوات وتحديداً عن الوضع المميز الذي تلقوه داخل السجن وتزويدهم بجميع الأدوات التي تمكّنهم من العيش برفاهية ليعكس بوضوح كيف تحوّلت الزنزانات إلى قصور فخمة بأموالهم التي نهبوها من الشعب، بل عادت إليهم بعد تجميدها لسنوات مع فوائدها، ليستفيدوا من تحرير سعر الصرف ولتقفز قيمتها إلى الضعف من دون أن يبذلوا أي مجهود!
خلال ثلاثة أيام قتلت الوزارة 1500 قبل أن تنهار قواتها وتفقد السيطرة على جميع مواقعها ويفرض الجيش سيطرته، ثم بعد 2013 مع وأد الثورة وإسقاط مرسي بتحرّك مشترك من الجيش والقضاة والمعارضة عادت الوزارة بفجاجة لتقتل الآلاف، وهو ما توثقه تقارير تحدّثت عن أكثر من عشرة آلاف ضحية في عمليات شابها غموض في التفاصيل ولم يسقط فيها جرحى من منفذيها، سواء قوات الجيش أو الشرطة. بذلك، استعادت الداخلية «عافيتها» وبلطجتها، بجانب عودة الرشى واستغلال النفوذ والسلطات التي كانت قد تقلصت بصورة غير مسبوقة بعد الثورة. كما أنها اليوم تنكّل بالمعارضين أو حتى من يبدو أن لهم أصواتاً تعترض على ما تصدره القيادات من قرارات، بعدما فُصل عشرات الطلاب الذين التحقوا بكلية الشرطة بعد «ثورة يناير» وبينهم طلبة ينتمون إلى عائلات إخوانية، كما أُقصي الضباط والأمناء الذين تعاطفوا مع الجماعة أو التيارات الإسلامية، ليغلق هذا الملف بقرارات يوقع عليها الوزير.
وبينما عاد الصمت إلى مبنى «الداخلية» وبات ظهور وزيرها أمراً نادراً، بعدما كانت الوزارة تستجدي التعاطف الشعبي لمساعدة المواطنين في مواجهة الإرهاب، ها هي اليوم لا تريد تذكيرها بـ«ثورة يناير». صحيح أن النظام يتغافل تدريجياً عن الثورة التي باتت توصف بالمؤامرة تارة وبالأزمة تارة أخرى، لكن «الداخلية» التي تَحوّل كل عيد للثورة ليكون احتفالاً بعيدها في ذكرى مقاومة قوات الشرطة في الإسماعيلية لإنكليز عام 1952 لن تنسى النكسة التي مُنيت بها في 2011، ولم تتعلم الدرس مواصلة سياسة النار والحديد.