قبل أكثر من أسبوع، نشرت فتاة مصرية فيديو صوّرته أثناء انتظارها باصاً في منطقة التجمّع الخامس جنوبي القاهرة. الفيديو يظهر شاباً يطلب منها قبول دعوته إلى مقهى قريب من مكان وقوفهما، وحين رفضت، قال لها إنه بهذه الدعوة يجنّبها مضايقات محتملة من شبانٍ آخرين. ردت الفتاة أنه هو بدوره يضايقها، فاعتذر الشاب وغادر المكان ممتعضاً. الفيديو انتشر بشكلٍ سريع على مواقع التواصل الاجتماعي وأثار جدلاً كبيراً، حيث انقسم مشاهدوه بين من عدّ فعل الشاب تحرشاً وبين من رآه دعوة مهذّبة لا تندرج في إطار التحرش.

وفي غضون أسبوع، تصدّر الشاب الذي يدعى محمود سليمان الحديث على «السوشل ميديا»، فأصبح يصوّر فيديوهات يكرّر فيها دعوته الأولى التي أثارت الجدل، في محاولةٍ لتطبيع فعلته ونزع تهمة التحرش عنها.
أكثر من ذلك، انتشرت أنباءٌ مساء أمس عن تصوير سليمان إعلاناً لشركة قهوة وعن تواصل شركة إنتاج معه بغرض تمثيله في أحد أعمالها الفنية، في وقتٍ جرى فيه فصل الفتاة ـ الضحية من عملها. هذه الأخبار أثارت استياء العديد من المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، من الذين اعتبروا أن المجتمع «يحتفل» بالتحرش والمتحرشين.



طبقية التحرش
المدافعون عن سليمان رأوا أنه كان «مهذباً» و«إبن ناس» خصوصاً أنه انسحب بعد قول الفتاة إنه يضايقها، ما يلغي عنه صفة التحرش. هؤلاء استندوا في تبريرهم إلى كون ظاهرة التحرش الشهيرة في مصر، تصل في أحيان كثيرة إلى ما هو أبعد من «الدعوة إلى فنجان قهوة» بكثير، مثل محاولات الشبّان والرجال لمس أجزاء من أجساد الفتيات، أو التوجه إليهنّ بعبارات بذيئة. من هذا المنطلق، يصبح لـ«متحرش التجمع»، «أسباب تخفيفية» تعزز العفو عنه اجتماعياً.
من هنا، يمكن الحديث عن «طبقية» ما لفعل التحرش. ناشطون كثر تساءلوا لو أن ملابس الشاب كانت مختلفة، وتوحي بأنه أكثر فقراً، ولو أنه لم يُدخل كلمات إنكليزية في حديثه مع الفتاة، هل الدفاع عنه سيكون بالمستوى نفسه؟ ولو أن المنطقة التي صُوّر فيها الفيديو كانت أقل رُقيّاً من منطقة التجمع الخامس المعروفة بمستوى اجتماعي مرتفع، هل كانت إدانته لتكون بديهيةً أكثر؟



حاضنة شعبية
لكن هل انتشار الفيديو بشكل هائل، هو سبب كافٍ حتى يصبح هذا الشاب وجهاً إعلانياً لمنتجٍ ما؟ معلّقون اعتبروا أن مفهوم الإعلان بحدّ ذاته هو مفهومٌ مجرد من الأخلاق، أي بمعنى آخر، يهتم الإعلان في العادة فقط بالطريقة الأنجع للترويج للمنتج من دون الاكتراث بالجانب القيمي للموضوع. يكفي أن شكل هذا الشاب ارتبط بالدعوة إلى فنجان قهوة، لتصبح الاستعانة به لتصوير إعلان للقهوة، فكرة ذكية ومربحة.
لكن هذا التفسير لا يظل مقبولاً تماماً لو تخيّلنا الحادثة نفسها قد حصلت في دولة أوروبية أو في الولايات المتحدة مثلاً. هل كان مقبولاً أن يصبح متحرشٌ بطل إعلانات أو أعمال فنية؟ الإجابة الأكثر منطقية ستكون لا، خصوصاً في ظلّ تنامي الوعي بقضية التحرش على مسافة أشهر من بروز حملة «#metoo» لمكافحة التحرش ووضع حدٍّ للصمت في هذا الموضوع.
المشكلة إذاً، تكمن في أنه لا تزال هناك «حاضنة شعبية» كبيرة للمتحرّش في مصر، تدافع عنه، تبرر فعلته، تلقي باللوم على الفتاة وملابسها، وتعتبر المتحرش «إبن ناس» وأنه «لم يخطئ».
في هذا السياق، تعرضت منة جبران، الفتاة التي صورت الفيديو ونشرته، إلى حملةٍ هجومية من سليمان الذي نشر صوراً لها، اعتبر فيها أن طريقة لبسها «تستدعي» التحرش، وتبعه في ذلك أشخاص آخرون كرروا حجته، في لازمةٍ تُعاد كثيراً عند أحداث مماثلة. فحين تكون ملابس الفتاة «كاشفة»، يصبح، بالنسبة إلى البعض، «من حق» الرجل أن يتحرش بها. الخطير على هذا المستوى، أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأثناء تطرّقه في أحد المؤتمرات لقضية التحرش، أوحى بأن شكل النساء يكون سبباً للتحرش، قائلاً «بعضهم بيبقى مشكلة برضه» ما استدعى تصفيقاً وضحكاً في حينه. هذه الإشارة التي كان يمكن بسهولة الاستغناء عنها، تؤدي دوراً إضافياً في ترسيخ ثقافة التحرش عوضاً عن مكافحته، خصوصاً أنها تأتي من «رأس البلاد». ذلك مع العلم أن المحجّبات والمنقبات في مصر يتعرضن للتحرش، وهذا موثق في فيديوهات.
في السياق نفسه، انتشرت في الأيام الماضية رسومات كاريكاتور حول حادثة التجمع، واحدة منها تظهر فتاة تقف على الرصيف مرتديةً مايوه، وتصوّر شاباً بواسطة هاتف ذكي قائلةً «بيعاكسني المتحرش الحقير»، في إشارة إلى أن من تلبس ملابس مكشوفة لا يحق لها أن تشتكي من التحرش بها. ولكن تجدر الإشارة أيضاً إلى أن مصريين كثر بينهم أسماء معروفة رفضت «التصفيق» للمتحرش، رافضةً أن يصبح الأخير نجماً وبطل إعلانات، بينهم المنتج محمد العدل الذي «تبرأ» من المنتجين الذين طلبوا العمل مع هذا الشاب. كذلك إنتشرت دعوات إلى مقاطعة الشركات التي تتعامل معه.



تحرش أم لم يتحرش؟
أحد المدافعين عن الشاب، اعتبر أن مهاجميه يمارسون نوعاً من النفاق. فبينهم من هو معجب بطرق التعارف التي نشاهدها في الأفلام المصرية القديمة، حين كان الشاب، بكامل أناقته، يتوجه إلى فتاة في الشارع ويقول لها «بونسوار يا هانم تسمحيلي أعزمك على فنجان قهوة؟». هذه الحجة كانت واحدة من بين الحجج التي تم استخدامها لـ«تبرئة» الشاب. ولكن السؤال الذي يُطرح في هذا السياق، هل «الرُقي» في الأسلوب كافٍ لانتفاء فعل التحرش؟ مع العلم أن الفتاة أوضحت أنها صوّرت فقط الجزء الأخير من «مطاردة» تعرضت لها من قبل الشاب قبل أن يترجل من سيارته ويدعوها إلى القهوة.
لكن نظرة إلى ما شاهدناه في الفيديو كافية لتجيب على هذا التساؤل. الفتاة كانت تقف في نقطة توقف الباصات، تنتظر حافلةً للتوجه إلى مكان عملها. فجأةً يقترب منها شابٌ لدعوتها إلى فنجان قهوة. هذا يعني أن الشاب اعتدى على حيّز خاص بفتاة تمارس حقها في التنقل بحرّية. كما أنه لم يكن هناك أي سياق لفعلته، سوى الاعتداء على مساحتها وحريتها، وذلك بالأساس، واحد من تعريفات التحرّش. المسألة إذاً غير محصورة بالملامسة أو البذاءة أو الإيحاءات الجنسية، بل إن التحرش هو أي اعتداء على المساحة الخاصة للإنسان وشعور هذا الأخير بالانتهاك. هذا يعني من حق الفتاة المعنية، وأي فتاة أخرى، أن تمارس حياتها اليومية بشكلٍ آمن من دون أن يقتحم أحدٌ مساحتها في وسط الشارع، لا لدعوتها إلى الفراش ولا لدعوتها إلى القهوة.
مثلت حادثة التجمع نقطة مفصلية في ظاهرة التحرش المنتشرة في مصر منذ عقود، وفي تنامي الوعي بهذه الظاهرة وسبل مكافحتها في السنوات الأخيرة. وبرغم تراكم النضالات في هذه القضية، على المستوى القانوني أو الاجتماعي، أظهر «الاحتفاء» من قبل البعض بالمتحرش، والدفاع عنه والتبرير له، أن الطريق لا يزال طويلاً للوصول إلى مجتمعٍ آمن للنساء.