القاهرة | في الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى إنهاء حظر الطيران الروسي المفروض على مختلف المطارات، باستثناء مطار القاهرة الدولي، وفي ظل سعي وزارة السياحة لاستعادة قوة النشاط السياحي في شرم الشيخ والغردقة خلال الموسم الشتوي المقبل، تتصارع أجهزة الدولة في التعامل مع ملفّي تنشيط السياحة والاستثمار. هذا التصارع لا يقتصر على القوانين كما حدث إبّان إقرار قانون الاستثمار في أيار الماضي بين وزيرة الاستثمار سحر نصر ووزراء المجموعة الاقتصادية، ولكنه مرتبط بقرارات نافذة من جهات مختلفة تتعامل مع الإعلام. قبل أكثر من شهرين تذكّرت كافة الفضائيات المصرية الحرب على الإرهاب، فرفعت وسوم «مصر تحارب الإرهاب» عبر جميع الشاشات المملوكة للدولة والخاصة منها.

ما كان لافتاً أن وسوم الحرب على الإرهاب كتبت بطريقة متباينة بين المحطات، ثم تبعتها وسوم بشأن الحرب على الارهاب في سيناء 2018، وبعدها وسوم تندرج تحت شعار استكشاف الاستثمار في مصر، لتتناوب الشاشات على الوسومات الثلاثة بين الحين والآخر، وبحسب التعليمات التي تتلقاها كل وسيلة إعلامية من الجهات السيادية.
المشكلة ليست في التناقض بين الوسومات؛ فما بين الاستشكاف والاستثمار والحرب على الارهاب والمعركة ضد «داعش» الذي رفعته بعض الشاشات لفترة، لم يشغل بال القيادة السياسية خلال الأسابيع الماضية سوى ما وصفته بـ«الأخطاء الفادحة» في التعامل مع الأمر، خاصة أن هذه الوسوم، وبعيداً عن وضعها من تحديد جمهور خاص مستهدف، أصبحت تسيء إلى الدولة المصرية بصورة أكبر من أي وقت مضى.
التفسير الذي يقوله مدير إحدى المحطات المصرية الشهيرة هو أن هذه الوسوم هدفها حشد العزيمة لدى المواطنين وتذكيرهم بالحرب على الإرهاب التي يخوضها الجيش في سيناء، وخاصة أن تراجع وتيرة ما يتم الإعلان عنه من نجاح في العمليات العسكرية وإحباط العمليات الارهابية قبل تنفيذها جعلا البعض يعتقد بأن الحرب انتهت، وهو أمر غير صحيح على أرض الواقع.

طالب «التقرير» بتدخّل رئاسي لفضّ الاشتباك بين الوزراء والجهات السيادية


وفي تقرير رفعه أحد صنّاع القرار في المجال الإعلامي إلى مكتب الرئيس وجهات سيادية من بينها جهازا المخابرات العامة والحربية، رصد اهتمام السفارات الأجنبية بالوسوم وما تعنيه، وإرسال أخبار عنها في التقارير التي يتم إعدادها بشكل منتظم عن الاوضاع في مصر، وهو ما اعتبره بمثابة عملية «نسف» لكل الخطوات التي يتم السعي إليها خلال الفترة الحالية بجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، سواء كانت عربية أو غربية في مصر.
يقول التقرير إن وزارة الاستثمار لم تقم بدورها في الترويج للاستثمار في الخارج بشكل جيد؛ فالدعوة الى متابعي القنوات المصرية للاستثمار واكتشاف مصر متناقضة مع الهدف الرئيسي من التسويق، وخاصة أن المحطات المصرية غالبيتها لا تحظى بنسب مشاهدة كبيرة خارج حدود الاقليم، بالإضافة إلى أن وسوم محاربة الارهاب الموجودة على بعضها تتناقض مع الدعوة إلى الاستثمار، وإذا تمّت ترجمتها لأي مستثمر فقد يعدل عن قراره.
يتطرق التقرير إلى ضرورة أن تتم مراعاة آليات العمل الحقيقية وعدم الاهتمام بالاستعراض الإعلامي فحسب، وخاصة أن وزيرتي السياحة والاستثمار أصبحتا تهتمان بالتسويق لنفسيهما فقط من دون النظر إلى الوضع على أرض الواقع، منتقداً الدعم الذي تحصل عليه وزيرة السياحة من جهات مختلفة، من دون أن تقدم ما يفيد السياحة المصرية على أرض الواقع.
الوسوم التي تتطرق إلى الحديث عن مواجهة الارهاب عرقلت استثمارات أجنبية مباشرة تتجاوز قيمتها 3 مليارات دولار، بحسب دراسة أرفقت بالتقرير، تطرقت إلى حصول دول في ظروف مشابهة على هذه الاستثمارات فضلاً عن العراقيل الموجودة في اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار.
التقرير الذي طالب بتدخّل رئاسي لفضّ الاشتباك بين الوزراء والجهات السيادية للخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ لم يغفل أهمية الاستعانة بخبراء حقيقيين في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية، سواء من شركات أجنبية عالمية أو جهات مصرية موجودة في الخارج، مع سرعة إنهاء طريقة العمل بمنطق الجزر المنعزلة التي تتبعها الوزارات بسبب طموحات شخصية.
حتى الآن، لم يجد التقرير الذي سلّم بداية الاسبوع الماضي رداً رسمياً، في وقت تحاول فيه الدولة تجاوز عقبات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، خاصة مع التراجع الواضح في ضخّ الاستثمارات خلال الفترة الماضية، علماً بأن وزارة الاستثمار أصبحت لا تعلن أرقام الاستثمار الاجنبي المباشر شهرياً كما كانت تفعل قبل شهور قليلة.