طفلة في الثامنة تسأل والديها لدى عودتها من المدرسة في كل ظهيرة «إن كان قد راح». يجيبان دوماً «ليس بعد»... تنصرف هي لإعداد واجباتها المدرسية، على أمل أن يأتي اليوم التالي بأخبار مغايرة. ولا. معمّر القذافي لم يذهب بعد. لا يضيره أنّ الشعب الليبي بغالبيته يطالبه بالتنحّي عن السلطة، فهذه السلطة هي سلطته وحده هو، صنعها وأسسها بمفرده من دون تدخل هذا الشعب الذي يطالبه الآن بالتنازل عنها. إذاً منطقياً، لا الشعب ولا غيره له الحق في توجيه مطلب كهذا إليه.


نسمعه يتعهّد بأنّه سيقاتل حتى آخر رجل وآخر طلقة. يشي تعهد القذافي هذا، بالتمسك بالسلطة ما دام هنالك ما يمكن الإمساك به أو قتله، أي حتى لو باتت هذه السلطة عدماً. لهذا، فإنّ كل يوم يمضي وهو ما زال متمسكاً بها، هو يوم مؤلم لدرجة طفولية، ليس فقط لتلك الطفلة البالغة من العمر ثمانية أعوام، بل لكل من لا يزال على قيد الحياة.
إنّه أمر مؤلم لدرجة العجز. أن نشهد كيف يمكن امرأً أو طبقة حاكمة أن تكون مستعدة لقتل جميع من تحكم، بدل أن تتنازل عن حكمهم. مجرد التفكير بهذا هو هزيمة حقيقية لاحتمال أن تكون هذه السلطة قد نظرت إلى مواطنيها الذين حكمتهم لعقود، على أنهم أكثر من كيس للرماية، تتدرب عليه لإطلاق الرصاص، في سبيل إبقاء قبضتها محكمة على خناق من هي مستعدة لتحويله إلى عدم، ثم الاستمرار في حكمه.
خلال الأسابيع القليلة الماضية، راح العديد من العرب، وليس فقط الليبيون، يتخبطون في معركة فكرية فعلية، تفوق مجرد الأمل في أن نستيقظ ذات صباح ويكون قد انتهى كابوس ليبيا، لنتفرغ للكوابيس الأخرى. بقي ما لا يقل عن تسعة عشر كابوساً، نريد بدورنا أن نفيق منها الواحد تلو الآخر وبتؤدة. لكنّ ما يجري في ليبيا، جعل حدود الكابوس أوسع، ومضمونه أفظع. واقع وفّر للأنظمة الأخرى أفكاراً وسبلاً حول فنون تعذيب المتظاهرين وقمعهم، وخصوصاً تلك التي تجابه مطالب بإسقاطها حالياً، بدءاً بالبحرين إلى اليمن وصولاً إلى سوريا الآن. هذا ما لقّنه ويلقّنه القذافي لنظرائه في الأنظمة العربية الأخرى التي لما يسقط النظام فيها بعد: أجل، الشعب يريد إسقاط النظام، لكن يمكن النظام أيضاً أن يريد إسقاط الشعب.
ورغم الحذر الذي يجب على المرء توخّيه في تعامله مع أي معادلة ثنائية، يواجَه بها أو تطالبه بالاختيار بين هذا أو هذا، على نهج بوش الابن، نجحت السلطات المستفرد بها على ما يبدو في تقليص الخيارات على مرّ العقود، حتى وصلنا إلى هذه المعادلة: «الشعب يريد إسقاط النظام مقابل النظام يريد إسقاط الشعب». بالتالي ليس أمام المرء سوى الاختيار... وحتى إذا لم يفعل، فهو يكون قد اختار ضمنياً، بحسب الموقع الذي يقف فيه حالياً.
لكن السؤال الملحّ الآن هو: هل يجب اللجوء إلى أي شكل من أشكال الاحتجاج، في سبيل إسقاط هذه السلطات وقادتها وإجبارهم على التنازل، أم يجدر التفكير برويّة واختيار ما يناسب أهداف الاحتجاجات... عدا إسقاط النظام؟ طفا هذا السؤال إلى السطح، وأصبح أشدّ إلحاحاً مع ظهور إمكان التدخل العسكري لقوات خارجية، خصوصاً قوات حلف الأطلسي، لصدّ كتائب القذافي في هجومها على المحتجين.
بالطبع، من استدعى هذا التدخل هو القذافي أكثر من الثوار، برفعه شعار النظام يريد إسقاط الشعب، ثم مباشرته بتطبيقه باستخدام قوات عسكرية خارجية، هذه المرة من أفريقيا، مستغلّاً ظروف الفقر لدى سكانها.
كان القذافي هو نفسه الذي استدعى سابقاً التدخل الاقتصادي والسياسي للدول ذاتها تقريباً التي تدخلت الآن عسكرياً، لمساعدته في التحكم في اقتصاد بلاده وتوزيع القسط الأكبر من الأرباح على نفسه والنخب الاقتصادية التي تدعمه... وهو نوع التدخل ذاته الذي لا ينجو منه للأسف الشديد أي بلد عربي وإن بدرجات متفاوتة.
وكما أنّ الشعب الليبي لم يختر عن سبق ترصُّد وإصرار أن يكون ضحية نظام القذافي، لم يختر الآن عن سبق ترصد وإصرار أن يكون القذافي ضحية أصدقاء الأمس. قد يكون كل ما في مقدور الشعب أن يفعله الآن، أن يكتم ضحكته، ويستمر في حمل شعاره إسقاط النظام، بكلّ ما يعنيه هذا المصطلح. كذلك نجاح ثورته ليس منوطاً (أو لن يعود يوماً) إلى التدخل العسكري لقوات تحالف الأطلسي. بل إنّ نجاح النظام بعدم السقوط حتى الآن، هو نتيجة لسياسات هذا التحالف الذي راح يدعم هذا النظام كما غيره، في تعزيز اقتصاده بل بيعه الأسلحة التي يستخدمها النظام في محاولته إسقاط هذا الشعب.
لذا لا بد من أن يكون أحد أهداف الشعب ـــــ إن كان حقاً يريد إسقاط النظام، وغيرها من الأنظمة الشقيقة ـــــ إسقاط أي نوع من التحالف مع بعض الدول الغربية التي ما انفكّت تدعم هذه الأنظمة. ولا أوضح من مثال على ذلك، أكثر من مثال الحكومة الفرنسية التي كانت من أشد المتحمسين للنظام التونسي السابق. كان النظام الليبي قد دافع عن نظام زين العابدين بن علي أيضاً، وفي هذا، تتساوى الحكومة الفرنسية مع الليبية. ثم جاء دعم الحكومة الأميركية للنظام المصري، وإيطاليا في حالة النظام الليبي، وهم جميعاً من طلائع التحالف العسكري الآن، في محاولة ربما للانضمام ولو متأخرين لإنقاذ مصالحهم والاستفادة مستقبلاً من التغييرات التي باتوا يعرفون أنها وشيكة.
وقد التفتت إلى هذه النقطة التي هي في غاية الأهمية، الحركات الاحتجاجية في تونس ومصر، إذ رفض قادتها التحالف مع هذه القوى، لكونها دعمت النخب السياسية والاقتصادية التي تحكّمت ببلادهم... وكان يمكن أن تستمر في دعمها لها إلى أجل غير مسمى. الأحرى بقادة ثورة الشعب الليبي أن يتحالفوا مع من لم يكن لهم يوماً ضلعٌ في اضطهادهم ولن يكون... أي الحركات الاحتجاجية الشعبية في البلدان العربية الأخرى. هذا هو الخيار الأفضل، عوضاً عن الوقوع في فخ النقاش حول الموافقة على التدخل الغربي في ليبيا، أو رفضه.
هذا النقاش قد يأخذنا إلى الجانب المعاكس، في حالة البحرين مثلاً، بعد تدخل قوات عسكرية سعودية وإماراتية لصالح شعار النظام يريد إسقاط الشعب. وهذا أمر غير مستبعد الحدوث في حالات بلدان عربية أخرى كسوريا أو الأردن. يجب التذكير بأنّ التحالف الحقيقي المبرّر هو مع الشعب الأعزل ومطلبه بإسقاط النظام، تماماً كما فعل العاطلون من العمل مع محمد البوعزيزي وأهل سيدي بوزيد، وكما تضامنت المدن التونسية الأخرى مع سيدي بوزيد، وعواصم البلدان العربية الأخرى مع تونس وهكذا، مما جعل هذه الحركات الاحتجاجية تنجح بالأساس...
* روائيّة فلسطينية




معرض التحرير

في محاولة لسدّ الفراغ الذي خلّفه إلغاء دورة «معرض القاهرة الدولي للكتاب» هذا العام، بادر قسم النشر في «الجامعة الأميركية في القاهرة» إلى تنظيم معرض بديل بعنوان «معرض كتاب التحرير». ينطلق المعرض صباح الخميس 31 آذار (مارس) الجاري، ويستمرّ حتى 3 نيسان (أبريل) المقبل، في حرم الــ AUC في ميدان التحرير. سيضمّ المعرض أجنحة لدور نشر مصرية وعربية، كما يعرض آلاف الكتب باللغتين العربية والإنكليزية، إلى جانب حفلات التوقيع، وورش العمل.
www.aucegypt.edu