كلام الليل يمحوه النهار. ينسحب هذا المثل على ما يجري حاليّاً في أروقة «تلفزيون لبنان» في ظل إصدار المدير العام الجديد طلال المقدسي سلسلة قرارات كأنّها أتت في «ساعة تخلي»، ثم يعي بعد لحظة بأنّها غير مناسبة، فيتراجع عنها بمذكرة ثانية ذات مضمون معاكس تماماً. الأمثلة كثيرة. منذ فترة، أصدر مذكرة تقضي بضرورة ترك كل أبواب المكاتب مفتوحة، ثم سرعان ما ألحقها بمذكرة ثانية تلغي الأولى ويأمر فيها بإقفال كل الأبواب.


هذا التفصيل قد يبدو ثانوياً لا يستحق التوقف عنده، إلا أنّ دلالاته تبيّن حجم الضياع الذي تتخبّط فيه إدارة المؤسّسة الرسميّة وغياب التخطيط عنها، وإن كان يُلاحظ الاهتمام المستجد بالحملات الترويجيّة لبرامجها ومسلسلاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما كان غائباً في العهد السابق. لا تتوقف مأساة التلفزيون الرسمي عند هذا الحد. منذ فترة، بدأت المستحقات الماليّة للعاملين في البرامج تتأخّر لما بعد نصف الشهر، ولا يبدو أن هؤلاء سيتقاضون مرتباتهم قبل 21 من الشهر الحالي، وهو تاريخ عودة المدير العام من رحلة الاستجمام.
كل هذا يمكن تجاوزه أمام القرار الجديد الذي يقضي بمنع ظهور الرأي الآخر على «تلفزيون لبنان». هذا ما حصل قبل أيام عندما منع المقدسي من استضافة أعضاء من النقابات المعنية بالمطالبة بحقوق العمّال لأنّها تعد «معارضة للدولة». وكان المقدسي قد تسلّم نص حلقتين من برنامج «الخط الساخن» تستضيفان وجوهاً نقابيّة، فأفتى بعدم السماح بظهورهما لأنّ «النقابات ضد الدولة وتهاجمها». وبالتالي، من لديه نقد للدولة فليحتفظ به لنفسه، أو يبحث عن وسيلة إعلاميّة أخرى تحتضن شكواه. ومن بين قرارات المدير العام الجديد تغيير اللوغو الخاص بالمحطة، كما يخطّط لوضع طاولة مستديرة كبيرة في استديو الأخبار، فيما شوهد مديرا المسرح رشيد الغريب وعباس وهبي في إحدى طبقات المبنى يتباحثان في كيفيّة تنفيذ مشاريع المدير العام المستعصية سريعاً. إضافة إلى ذلك، منع المقدسي الموظفين من التصريح لأي وسيلة إعلاميّة عن التلفزيون سراً أو علناً. ومَن يتابع المحطة أخيراً، يُلاحظ احتجاب البرنامج الصباحي اليومي «صباح الخير يا لبنان» عن شبكة البرامج أيام الإثنين والأربعاء والجمعة، واقتصار عرضه على أيّام الثلاثاء والخميس والسبت فقط.
في مقابل غياب المقدسي عن السمع بسبب رحلة الاستجمام التي يقوم بها، يأخذ بعض الموظفين في المحطة الرسمية عليه أنّه يأتي من خلفيّة بعيدة عن إدارة المؤسسات الإعلاميّة، وبأحكام مسبقة تتمحور حول أنّ «العاملين في المحطة هم المسؤولون عن وضعها المزري». من هنا، ربما على مَن تفاءل أخيراً بعودة «تلفزيون لبنان» إلى الحياة ونهوضه من كبوته، أن يعيد التفكير في الأمر، لأنّ المحطة الرسميّة تعيش مأزقاً فعلياً. من أجل النهوض بالتلفزيون الوطني مجدداً، تحتاج المسألة ربما إلى إرادة فعليّة من الدولة والوزارات المعنيّة لإعادتها رائدة على الساحة الإعلاميّة. وقد تكون بحاجة إلى شخص مثل فؤاد نعيم الذي شغل رئاسة مجلس الإدارة في التسعينيات أو إلى عقل حكيم مماثل لعقل بيار الضاهر الذي عرف كيف يجعل النجاح رفيق lbci، فضلاً عن إرادة فعليّة من الدولة وإيمان بالقضية.
إذاً، النوايا وحدها لا تكفي للنهوض بـ«تلفزيون لبنان»، والأكيد أنّ إرادة المقدسي بإعادة المحطة إلى قلب الساحة الإعلانية اللبنانية موجودة فعلاً، إلا أنّ تطبيقها لا يكون بالتفرّد باتخاذ القرارات وإلغاء الصوت الآخر. باختصار، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإنّ النتيجة ستكون أكثر مأساوية من السابق، وقد تخرج المحطة الرسمية هذه المرّة نهائياً من المعادلة الإعلاميّة.