القاهرة | بعد أسابيع قليلة على «ثورة 25 يناير»، قرّرت «دار الجمهورية» المملوكة للدولة المصرية وقف طباعة مجلة «شاشتي» الأسبوعية المتخصّصة في الفن. يومها، وزّعت صحافيّيها على باقي مطبوعات المؤسسة التي تصدر جريدتين يوميتين باللغة العربية هما «الجمهورية» و«المساء». لم يهدأ العاملون في «شاشتي» حتى عادت المجلة من جديد، لكن في شكل جريدة لخفض نفقات الطباعة.

هكذا، جاءت «ثورة 25 يناير» لتكشف الأوضاع المالية السيئة التي تشهدها المؤسسات الصحافية الحكومية التي حاول نظام مبارك التغطية عليها، إما بمنع الجهات الدائنة من اتخاذ الإجراءات القانونية ضد تلك المؤسسات (بلغت الديون 2 مليار دولار) أو بالتخلص من المؤسسات الأضعف وتوزيع صحافييها وعمّالها على المؤسسات الأكبر مثلما حدث مع مؤسستي «التعاون» و «دار الشعب». باختصار، كان الكل يدرك أن ملف ديون المؤسسات الحكومية لن يصمد طويلاً. مع ذلك، لم تسعَ تلك المؤسسات إلى تعويض خسائرها في زمن مبارك، بل واصلت السياسة نفسها، أي الانحياز إلى النظام، سواء كان المجلس العسكري لمدة عام ونصف عام أو الإخوان المسلمين ابتداءً من فوز محمد مرسي في الرئاسة، ما جعل بعضهم يعتبر ما جرى أول من أمس لمجلة «المصوّر» (تصدر عن دار «الهلال» التي أسسها جرجي زيدان عام 1892) بداية لمرحلة انهيار جديدة. للمرة الأولى منذ 89 عاماً، تنقطع مجلة «المصوّر» الأسبوعية عن الصدور صباح كل أربعاء. والسبب أنّ عمّال المطبعة نفّذوا إضراباً مفاجئاً صمد حتى النهاية لتحقيق مطالبهم المالية. وبحسب عزت بدوي رئيس تحرير مجلة «المصوّر»، فإنّ الصفحات تصل إلى المطبعة مساء الاثنين وينتهي العمل على غلاف المجلة في التوقيت نفسه لتنشره «الأهرام» في الإعلان الأسبوعي المعتاد صباح الأربعاء. وبالفعل، نشرت «الأهرام» الإعلان، لكنّ المجلة نفسها لم تصل إلى الباعة. الإضراب لم يكن الأول منذ الثورة لعمّال المؤسسات الصحافية، لكنّه الوحيد الذي أثّر للمرّة الأولى في حركة الطباعة. كانت الإضرابات السابقة تنتهي سريعاً مع تنفيذ بعض من الوعود، لكنّ الجديد هذه المرة أنّ العمّال قرّروا أنّ عدم صدور المجلة رسالة تحذير للقائمين على الأمر من أجل تفادي تكرار الموقف مرة أخرى.
بدوي الذي تولى منصبه في آب (أغسطس) الماضي، أكّد أن صهر الرئيس مرسي ورئيس مجلس الشورى أحمد فهمي، وعد بسرعة التصرف لتفادي تكرار الأمر نفسه مع عدد الأسبوع المقبل. بينما وقع المحررون في حيرة: هل يقدمون موضوعات جديدة للعدد الجديد؟ أم ينتظرون موقف عمال المطبعة في ثاني أعرق مؤسسة صحافية؟
على خط موازٍ، قررت جريدة «الأهرام» (تصدر منذ عام 1876) تصفية معظم مكاتبها الصحافية في الخارج، إذ لم تعد قادرة على تمويل مراسليها في بيروت، ودمشق، والعراق، وواشنطن، ورام الله، وطرابلس ودبي. الأزمة المالية خانقة والصحف لا تسعى إلى إعادة الهيكلة والبحث عن طرق أفضل للربح بدلاً من تقليص النفقات. في المحصلة، إن معظم الصحف الحكوميّة لا تزال مصمّمة على مخاصمة الشارع. وحتى لو عرضت للبيع، فإنّ مشاكلها أكبر مما قد يتحمّله أي مشترٍ.