القاهرة | لكل منّا قصص التغيير الخاصة به التي قد تتقاطع مع الأحداث الكبرى أو تبقى في منأى عنها. لكنها في النهاية تقود إلى تأثير ما. في «قصص التغيير» (أو «قصص ما بعد الربيع العربي») الذي يقيمه «مركز الصورة المعاصرة» في القاهرة بالتعاون مع مؤسسة «وورلد بريس فوتو»، تُعرض أعمال شارك فيها فنانون من شمال أفريقيا لمدة سنتين بالتعاون مع مؤسسة «هيومان رايتس واتش».


يضم المشروع مصورين من دول عربية مختلفة؛ بينها: مصر، الجزائر، ليبيا، المغرب وتونس. يغلب الحس الثوري على القصص التي تجمع بين الصورة الفوتوغرافية والنصّ. في قصة «أميرة تناضل من أجل المرأة المصرية»، يختصر محمد حسام الدين (1987) حال المؤسسات الأمنية الخاصة التي اقتصر دورها قبل الثورة على توفير حراسة للفنانين ورجال الأعمال فقط. ونتيجة لحالات الفوضى وانهيار القوى الأمنية، اضطرت الشرطة إلى توظيف نساء للتعامل في حالاتٍ خاصة كالتفتيش والتعامل مع النساء في المرور. في قصة أخرى بعنوان «الثورة في ازدهار والسياحة في انهيار»، يدوّن روجيه أنيس (1986) السياحة في مجموعة من الكادرات التي قُطِّعت بعناية كمن يُمسك بسكين فاكهة. يخبرنا أنيس أن عدد السيّاح في مصر تجاوز أعلى مستويات له، إذ بلغ 14 مليوناً عام 2010، أي العام الذي سبق الثورة. اضطراب الوضع السياسي أدى إلى هبوط السياحة عام 2012 إلى 9 ملايين، ثم انخفضت مجدداً بعد أحداث «30 يونيو».
لكن المصور الشاب مصعب الشامي يلتقط شريحة أخرى من المجتمع المصري يلعب فيها على لحظة التعبير اللحظي وانسحاق المفاهيم المجتمعية في ما يتعلق بالفن والتطريب. موسيقى المهرجانات هي القصة التي عمل عليها مصعب، في مدينة السلام، الحي القاسي الفقير الذي أصبح المصدر الأساسي لموسيقى المهرجانات في مصر. ظهرت هذه الموسيقى للمرة الأولى على يوتيوب عام 2009، وانتشرت بعد «ثورة 25 يناير». تلك الموسيقى أشبه بالخلطة السرية بين الهيب هوب والتكنو والهاوس مع الكلمات العامية التي تنحدر من قلب الحارة المصرية. تتناول المهرجانات أموراً حياتية بسيطة خالية من التعقيد، كالوجبات اليومية، الحب، القاذورات، وحتى تصفيف الشعر.
من القصص المميزة أيضاً «الرؤية بدون بصر» للمصور أحمد هيمن (1987، بكالوريوس إعلام واتصالات). تتناول القصة التمييز ضد ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع المصري. في التفاتة إلى جمعية “بنات النور”، يروي أحمد قصة هبة وسمية. الأولى تعمل في مكتبة الإسكندرية وتغني ضمن كورال، والثانية مدرِّسة للغة الإسبانية في «جامعة عين شمس». وفقًاً للتقاليد، ينبغي للأسرة التي تمتلك طفلاً معوقاً أن تغلق عليه وتتعامل معه كما لو أنّه لم يُولد. لكن أسرة سمية رفضت ذلك وشجعتها على الاستمرار والاستقلالية. تقول سمية: “بفضل والدتي، أنا هنا اليوم. لم تتوقف أبداً عن تشجيعي ومساعدتي لأكون مثل أي إنسان عادي في هذا المجتمع».
لا تتوقف «قصص التغيير» عند هذا الحدّ. تذهب إلى نطاق أوسع؛ حيث اللاجئون والمغتربون من الأراضي السورية. فيرجيني نغوين هوانغ المصورة الصحافية في جريدة «مدى مصر» الإلكترونية، وجدت ضالّتها في أسرة كردية تعيش في القاهرة منذ عام ونصف عام. ترغب الأسرة اليوم في مغادرة مصر بعد هروب الأب أبو علي من القامشلي مع أسرته إلى تركيا، ثم القاهرة. يعاني السوريون في مصر كثيراً في الفترة الأخيرة، وكثيرون يرغبون في المغادرة بسبب سوء المعاملة والتهميش. في لقطة أخرى، تأخذنا المصورة ذاتها إلى مجموعة من أبرز ما طُرح في المعرض من قصص إنسانية بعنوان “الحياة في مدينة الموتى”. تلتقي المصورة باثنين من قاطني المقابر، ليبدأ كل منهما بتلخيص معنى الحياة. شريفة البالغة 36 عاماً مصابة بسرطان الثدي. قررت الانتقال مع زوجها إلى المقبرة لأنه المكان الوحيد الذي يمكنهما تحمّل إيجاره. في قصة أخرى للمصور الشاب محمود خالد (1988)، يُسلط الضوء على تناقض الحياة في تجاور البحيرة الجميلة في رملة بولاق مع أبراج المستثمرين الضخمة التي تلتهم الأحياء الفقيرة يوماً بعد يوم.
رياح الثورة حملت معها قصصاً عدّة في المعرض، منها حوادث التحرش التي وقعت أثناء التجمعات في الشوارع. في مجموعتها “يكفي!”، تحدّثت المصورة إيمان هلال (1985) مع مجموعة من النساء اللواتي تعرضن لأحد أشكال العنف أو التحرش، بينما تناول جوناثان رشاد الحدث المؤلم الخاص بمجزرة بور سعيد التي أودت بحياة 70 شخصاً على الأقل إثر مباراة كرة القدم التي جمعت «الأهلي» و«المصري». أما في قصة «تذكار الثورة»، فتسلط إيناس جوهر الضوء على حمادة الشاب الصعيدي الذي نزح إلى القاهرة أثناء الثورة، ليبيع التذكارات الثورية ويكسب قوت يومه. يقول حمادة: “في هذه الأيام، لا تُباع الأعلام والقمصان التي يكتب عليها “أحب مصر” مثلما كانت الحال من قبل”.
ضمن معرض «قصص التغيير»، نقع أيضاً على «فوبيا اللحية». هنا يقودنا المصور الشاب محمد علي الدين إلى آليات تشريح الثقافة باستخدام الصورة الفوتوغرافية. يشير إلى هواجس المجتمع المصري من اللحية الطويلة التي ربطها بتيار الإسلام السياسي، وقد وقعت أعمال وانتهاكات وحشية ضد بعض الليبراليين والمسيحيين أيضاً من ذوي اللحية. ولهذا السبب قام بعض الإسلاميين بحلق لحاهم تجنباً للفتك والعنف.

* «قصص التغيير»: حتى 15 كانون الأول (ديسمبر) ــ «مركز الصورة المعاصرة» (القاهرة):
storiesofchange.worldpressphoto.org/ar/stories