دمشق | غاب بائع الورد عن ركنه في الرصيف المقابل لكنيسة اللاتين، طوال سنوات الحرب. كان لا بدّ أن نعبر بموازاته في الطريق إلى ساحة النجمة وسط دمشق، وربما نلقي نظرة إلى السطل الذي يحتضن القرنفل الأحمر أو نبتاع واحدة بثمن رخيص بالمقارنة مع ما يبيعه الآخرون. منذ أشهر، باغتني بعودته إلى المكان نفسه، وبالسطل والورود نفسها، وكأنّ الزمن ساعة معطّلة. لم تنل منه الحرب بقذيفة طائشة إذاً، كما كنت أتوقّع من قبل. ما تغيّر في المشهد أن التعرفة القديمة للقرنفلة الواحدة قفزت إلى أضعاف ثمنها القديم، وإلغاء أوراق الزينة التي كانت تحيطها. وردة حمراء عارية بألفَي ليرة (!) على الأرجح سترتفع التعرفة أكثر بمناسبة الفالنتاين، ولكن أين العشّاق؟

قبل الحرب، وقبل الهجرات الجماعية، وقبل جائحة كورونا، كانت حمّى عيد الحب تجتاح واجهات الدكاكين: دببة، وأكواب من الخزف، و«قواعد العشق الأربعون»، كما كانت الكتابة عن/ وفي هذا اليوم، تتيح التجوال في معجم العشق شرقاً وغرباً، بأرجوحة العاطفة، من مجنون ليلى وعنترة إلى كاظم الساهر في استعاراته لأشعار نزار قباني، وكان بيت شعر مثل «أينما كنتِ أو حللتِ بأرضٍ/ أو بلادٍ أحييتِ تلك البلادا» بتوقيع المرقّش الأصغر، أو عبارة مثل «الحب وقع حوافر لا يهدأ أبداً» لسيلفيا بلاث، بمثابة زلزال في الضلوع. مرّة ثانية: أين العشّاق؟ هل هم أولئك الذين يصدّرون الركاكة ويهتكون قواعد النحو في مواقع التواصل الاجتماعي، أم هم الجنود الاحتياطيون منذ ألفَي يوم ويوم، بعيداً عن أحضان الحبيبات، أم هم العاطلون عن العمل؟
آسفون لا قرنفل أحمر في شوارع دمشق ولا دمى، لا عناق أو قبلات. كأن الجائحة عقوبة إضافية لما تراكم من عقوبات، فقد خبرنا اللون الأحمر بآلاف أوراق النعي اليومية، ولا وقت لصناعة بهجة مزيّفة، في يوم عابر. كان على أصحاب المخيّلة أن يبتكروا كمامات حمراء لهذا اليوم، من باب أقلّ الخسائر في ما يخص عمل الحواس وترويض المشاعر. على المقلب الآخر، هناك من تجاهل أوراق التقويم تماماً، لفرط تشابه الأيام، فليس نيسان وحده أقسى الشهور، وفقاً لرؤية ت. س. إليوت في «الأرض الخراب»، إنما كانون الثاني وشباط وآذار وأيلول أيضاً، فلا فرق واضحاً في درجات القسوة وحطام الوقت وانطفاء الأشواق. في توقيتٍ لاحق، نحن من اقتحم أسباب العيش بمناعة القطيع وحدها غير مكترثين بتحذيرات منظمة الصحة العالمية من طيش السلالات الجديدة للجائحة، فكل ما حدث ويحدث فوق هذه الخريطة المنكوبة، باتَ بالنسبة إلى السوريين مؤامرة كونية، وتالياً لا خوف من الطوابير أمام الأفران أو محطات الوقود أو محالّ الثياب المستعملة، ولا خشية من المصافحة أو العناق أو القبلات كنوع من تعزيز «ثقافة اللمس» بوصفها هوية في المقام الأول. لا نحتاج إلى اختراع كوليرا أو طاعون أو عمى، كما فعل ماركيز وبوكاشيو وساراماغو، فنحن من عشنا هذه الأوبئة بطعنةٍ واحدة، وبنجاحٍ ساحق، طوال عقدٍ كامل. هناك أيضاً من لم يتوقّف عن كتابة «بيجي أعطني قبلة» على الحائط المقابل لنافذة محبوبته، على غرار قصة قديمة لماركيز، ولكن بركاكة لغوية أصيلة من طراز «أحبكي»، أو بفانتازيا بلاغية مثل «في عيد الحب أهداني ساعة جميلة، وسرق وقتي». وسوف تتمنى إحداهنّ تنفيذ حجر منزلي صارم لمواجهة جائحة الحب المستعارة، والانتقام من القديس فالنتاين بطرده من الشوارع والساحات أو إجباره على الوقوف في طابورٍ ما، في هذا اليوم العتيد. ما هو أكيد- بنظرة بانورامية إلى سطوح دمشق- أن خزّانات المياه البلاستيك وحدها بالأحمر مثل زيّ موحّد للبلاد!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا