«ديدييه راوولت» و«هيدروكسي كلوروكين» و«ذا لانسيت». هذه الأسماء الثلاثة بات يحفظها كلّ من يتابع أخبار وباء «كوفيد19» الطبية. الاسم الأول هو للباحث الفرنسي في علم الأوبئة، والمدافع الشرس عن استخدام الـ«كلوروكين» في معالجة المصابين بـ«كوفيد 19». الاسم الثاني هو للعقار الطبي المشتق من «الكلوروكين»، الذي يستخدمه مرضى الملاريا ويعتبره بعضهم علاجاً واعداً لـ«كوفيد 19». أما الاسم الثالث فهو لمجلة طبية أميركية شهيرة، انتشر اسمها في الأوساط العامة في 22 أيار (مايو) الماضي بعد نشرها دراسة تشير إلى خطورة استخدام الـ«هيدروكسي كلوروكين» في علاج مرضى «كوفيد 19»، ما دفع منظمة الصحة العالمية في 25 من الشهر نفسه إلى تعليق التجارب السريرية التي كانت قد بدأت تجريها على العقار منذ شهر نيسان (أبريل) الفائت. بدورها، ألغت الحكومة الفرنسية في 27 أيار (مايو) التدابير الاستثنائية التي كانت تجيز استخدام عقار «هيدروكسي كلوروكين» في المستشفيات، والتحقت بها أكثر من دولة حول العالم.


«لانسيت غايت» وشركاؤها
لكن الدراسة التي نشرتها «ذا لانسيت»، وقرار منظمة الصحة العالمية بتعليق التجارب حول الـ«هيدروكسي كلوروكين» الناجم عنها، ليسا وحدهما ما جعل اسم المجلة متداولاً، بل تراجعها عن هذه الدراسة في 3 حزيران (يونيو) الجاري نزولاً عند طلب ثلاثة من مؤلفي الدراسة الأربعة. علماً أن الرابع هو سابان ديساي، المدير التنفيذي لشركة surgisphere، التي أعطت بيانات الدراسة للباحثين. وفي اليوم نفسه أيضاً، تراجعت مجلة طبية أخرى، وهي «نيو إنغلاند الطبية» (NEJM) عن دراسة كانت قد نشرتها، وتناولت دور أدوية ضغط الدم في معالجة «كوفيد 19»، بسبب استخدامها بيانات من شركة surgisphere، وهي الشركة نفسها التي استعانت بها دراسة «ذا لانسيت». وأصدر كلّ من المجلتين بياناً شرح فيه أسباب تراجعه عن دراسته لعدم دقة البيانات المستخدمة والتي ترفض الشركة الإفصاح عنها، ونزولاً عند طلب المؤلفين ذلك.

ليلي كلارك - الولايات المتحدة

وكانت جريدة «غارديان» بنسختها الأسترالية كشفت عن أخطاء فادحة في البيانات التي نشرتها دراسة «ذا لانسيت»، ما دفع إلى إعادة النظر في الدراسة كاملة وإجراء تحقيق استقصائي عن الموضوع نشرته «غارديان» البريطانية، وكشفت فيه أن موظفي الشركة غير مؤهلين لجمع البيانات، فهناك موطفة تعمل في كتابة روايات الخيال العلمي، وأخرى في تقديم عروض أزياء للبالغين. كما لاحقت الجريدة حضور الشركة على الإنترنت لتكتشف عدم جديتها، بالإضافة إلى وجود دعاوى على مديرها التنفيذي (يرِد اسمه كمؤلف مشارك في الدراستين السابقتين ودراسات علمية أخرى) ولعلّ هذا ما دفعه إلى محو صفحته عن موسوعة «ويكيبيديا». هكذا، بات يمكن قراءة أخبار هاتين المجلتين تحت عنواني «لانسيت غايت» أو «نيو انغلاند غايت».
تراجع «ذا لانسيت» عن الدراسة دفع بمنظمة الصحة العالمية إلى معاودة التجارب السريرية حول الـ«هيدروكسي كلوروكين» بعد تسعة أيام على تعليقها، وحقّق انتصاراً للمدافع الأول عن استخدام هذا العقار، الباحث الفرنسي ديدييه راوولت.

أقدام النيكل والأخوة ماركس
تحت وسم «لانسيت غايت»، أطلّ الباحث الفرنسي ديدييه راوولت على قناة BFMTV ليتحدّث عن خلل الدراسة العلمية التي نشرتها المجلة الطبية الذائعة الصيت ثم تراجعت عنها. وكان راوولت قد فنّد ما اعتبره حرباً ضد الـ«هيدروكسي كلوروكين» في مجموعة من التغريدات، هي حصيلة مقابلة أجريت معه على قناة المعهد المتوسطي للصحة الذي يديره في مارسيليا. ورأى راوولت أن ما حصل يتجاوز ما نشرته «ذا لانسيت»، وإنما يكشف من وصفهم بـ«أصحاب أقدام النيكل»، وهو تعبير فرنسي راج بعد نجاح برنامج للرسوم المتحركة يحمل الاسم نفسه (les pieds nicklés) ويتحدّث عن الأشخاص غير الجديرين بالقيام بأي عمل، مفنّداً خلفية كلّ من مؤلفي الدراسة، ومنتقداً الفرق بين دراسة قائمة على معاينة مرضى حقيقيين وهو ما يقوم به في المختبر الذي يديره، وبين دراسة تستخدم بيانات تصلها عبر الكومبيوتر لا يمكن التأكد من مصداقيتها.
أما سبب إجراء هذه المقابلة مع راوولت، فيعود إلى تحوّله إلى الشخصية الطبية الأكثر شهرة منذ انتشار «كوفيد19». وقد تخطت شهرته فرنسا والدول الأوروبية لتصل إلى أميركا. أما اللبنانيون فلعلّ كثيراً منهم سمعوا باسمه بعد الفيديو الشهير الذي جرى تداوله، وفيه يظهر طلاب لبنانيون يستقبلون الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارة مفاجئة قام بها إلى راوولت في مارسيليا في شهر نيسان (أبريل) الماضي.
كما يعدّ راوولت شخصية مثيرة للجدل في فرنسا، قسمت المجتمع الفرنسي بين مؤيد ومعارض. بالإضافة إلى تبنّيه بروتوكولاً علاجياً يقوم على استخدام الـ«هيدروكسي كلوروكين»، فقد غدا شخصية إعلامية بامتياز، لا يتردّد في الظهور الإعلامي مدافعاً عن أبحاثه ومنتقداً الثغرات العلمية في أبحاث الآخرين بخلاف كثير من الشخصيات العلمية التي تفضل البقاء في المختبرات. وهو يخوض حرباً جدية على من وجد لهم أول من أمس اسماً جديداً، وهو «الأخوة ماركس»، في إشارة إلى فرقة سينمائية أميركية، وذلك في فيديو جديد فنّد فيه نتائج دراسة جديدة نشرتها «ريكوفوري» في 5 حزيران (يونيو) الحالي، وتخلص إلى أن الـ«هيدروكسي كلوروكين» غير فعّال في علاج «كوفيد 19». ولا يفوّت راوولت في إطلالاته المتكرّرة فرصة لفت النظر إلى المتعدّين على القطاع الطبي، وإلى توجّه العديد من الباحثين نحو شخصنة الأمور، رافضاً طغيان الرأي الشخصي على الحقيقة العلمية. حتى إنه لم يتردّد في وصف نفسه بالنجم، وقد لفت إلى هذا الأمر حين قال بأسف رداً على سؤال BFMTV «أعتقد أننا لا نقدر في هذا البلد على تحديد من هم الباحثون الأفضل، بعكس ما يمكن قوله عن لاعبي كرة القدم».

«هيدروكسي كلوروكين» وترامب
وقد وجد الـ«هيدروكسي كلوروكين» مدافعاً عنه أكثر شهرة من راوولت هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدما نصح باستخدامه أكثر من مرة. وإذا كان راوولت يستند في دفاعه عن العلاج عبر الـ«هيدروكسي كلوروكين» إلى دراسات علمية ناتجة عن معاينته للمرضى، فإن ترامب اختار أن يجرّب بنفسه هذا العقار، ونقلت وسائل إعلام عنه قوله في 17 أيار (مايو) إنه بدأ بتناول هذا الدواء قبل أسبوعين، بعد استشارة طبيب البيت الأبيض، ثم قال في وقت لاحق إنه استمرّ في تناول هذا الدواء يومياً لمدة أسبوع ونصف على سبيل الوقاية. وكان ترامب قد أثار ضجة كبيرة في 20 آذار (مارس) الفائت عندما أعاد نشر تغريدة، يختصر صاحبها نتيجة دراسة فرنسية تفيد بأن استخدام الـ«هيدروكسي كلوروكين» مع الـ«آزيثروميسين» يشكل علاجاً فعالاً للقضاء على «كوفيد 19».
تراجعت مجلتا «ذا لانسيت» و«نيو انغلاند» عن دراستين علميتين تنفيان فعالية الكلوروكين في علاج كوفيد 19

ثم عاد وغرّد مبشّراً في اليوم التالي: «إن تناول مادتي هيدروكسي كلوروكين وآزيثروميسين معاً، يحمل فرصة حقيقية ليكون أحد أكبر مغيّري قواعد اللعبة في تاريخ الطب»، مطالباً الجهات المختصة بالعمل على هذا الدواء وطرحه في الأسواق فوراً. انتشرت المقالات التي استنكرت قيام الرئيس الأميركي بالترويج لدواء لم تثبت فعاليته وقد تكون له عوارض جانبية سلبية، كما أعدّت الكثير من الدعايات التوعوية لعدم الأخذ بنصائح ترامب الطبية.
هكذا تكون نصيحة ترامب قد أضرّت بالعقار أكثر مما نفعته، إذ يرى كثيرون أن «ذا لانسيت»، أو الشركة التي مدّتها بالبيانات غير العلمية تحارب الـ«هيدروكسي كلوروكين» بهدف إيذاء ترامب. تماماً كما يرى المدافعون عن البروتوكول الطبي المقترح من ديدييه راوولت أن التشكيك به هدفه خدمة شركات الأدوية التي لا يناسبها اعتماد دواء لا يتجاوز سعره الدولار الواحد علاجاً لمرض منتشر عالمياً.

الدراسات الكاذبة؟
قد لا تشكل المعطيات الواردة أعلاه كامل الرواية عن السجال العالمي الدائر حول «هيدروكسي كلوروكين»، لكنها تضيء على جملة من الأمور التي قد تهمّ المتابعين وهي:
- أكّدت اهتمام وسائل الإعلام الجماهيرية بالأخبار التي تتمتع بمعايير نشر لا تقاوم، مثل النجومية (راوولت وترامب)، الإثارة (مجلات طبية معتمدة تنشر دراسات وتتراجع عنها)، بالإضافة إلى معيار المصلحة العامة (ارتباطها بوباء عالمي).
- أتاحت الفرصة للتعرّف إلى نوع آخر من «النجوم»، القادرين على إدارة اللعبة الإعلامية، من دون التخلي عن المعايير العلمية التي تصنع هويتهم كما يفعل ديدييه راوولت بنجاح حتى الآن.

يرفض ديدييه راوولت في إطلالاته المتكرّرة طغيان الرأي الشخصي على الحقيقة العلمية


- كشفت عوالم خفية في مجال البحث العلمي الطبي، تتيح التساؤل عن وجود «دراسات كاذبة»، تشبه «الأخبار الكاذبة» التي تعاني منها وسائل الإعلام الجماهيرية. ذلك أن التشكيك لا يزال قائماً في خلفيات الدراسة: هل وقع المؤلفون (وبالتالي المجلتان) ضحية الشركة التي مدّتهم بالبيانات، أم أنهم متورّطون في علاقات مع شركات أدوية تحارب الـ«هيدروكسي كلوروكين»؟ والسؤال الأكثر حساسية هو: ماذا لو أن هذه الدراسات لم تتناول الـ«هيدروكسي كلوروكين»؟ هل كان يمكن اكتشاف الثغرات العلمية التي اعترتها؟