اللغة الألمانية تحت اللغة العربية والمدينة فوقهما. صوتان. لغتان. مدينة واحدة وسجينة واحدة. الصوت عصفور يحلّق فوق وردة. صوت روزا لوكسمبورغ يرتفع فوق صورتها. إذاً، المشهد الأول لتقفّي أثر روزا في المدينة الباردة منذ زمنٍ طويل. ما زال البرد قائماً، وما زال الصوت يتحدث باسم صاحبته: مديح للرمادي. يمدح الصوت اللون الداكن بالتزامن مع عبور المترو السريع للمدينة الرمادية. مزيج من ثلج أبيض وآثار سوداء قرب الجسر: هنا قُتِلت وردة.

إنها ليست سيرة روزا لوكسمبورغ، بل رحلة هادئة في القطار. وما يفعله القطار هو التوقف في محطات ثم العبور. وليس عبوراً عادياً، بل طاحن وهائل في سرعته، مِثلما يكون التوقف حاسماً ومفاجئاً. وهكذا هو الفيلم، يتوقف في محطة روزا لوكسمبورغ. يقلّها من على شجرةٍ في غابة العالم ويتابع الطريق. صوت الشِّعر دائماً أعلى من صوت المدينة. أصداء تتردد بالصورة، فتستعير خصائص الصوت. الهدوء والرخامة والارتجاف، وكل التنويعات التي يفترض أن تعود للأصوات، لا للصورة.


إنها رحلة للبحث عن علاقة بين الصوت والأثر. يحب غسان سلهب هذه الألعاب: تبدأ صور العمال والتظاهرات أيضاً. يتظاهر الفيلم بالتظاهر. ولكن، لا صوت يقول: أنا روزا. المدينة تتحدث عنها. في السياسة كانت روزا لوكسمبورغ ضدّ الانتهازية والنزعات البيروقراطية والرجعية. وهي في روحها تنتمي إلى بولندا وروسيا مثلما تجاوز نقدها للبرلمانيين الواقفين على الحياد ألمانيا إلى فرنسا وحتى إلى إيطاليا. كانت روزا ضدّ الوهم، وكان هاجسها هو العدالة، ولذلك يرد كثيراً في كتابتها مصطلح «النضال الطبقي»، ضدّ البورجوازية. والأهم، أنها نبهت دائماً من مؤسسات الطبقة الحاكمة، كالشرطة والجيش والإداريين المنضوين في مؤسسات تمثيلية تتخذ طابعاً ديموقراطياً في الشكل، لكنهم ينتظمون جميعاً في حراسة مصالح الطبقة الحاكمة. لا يقول الفيلم كل هذا، لأنه ليس سيرة وليس خطاباً، لكنك ستشعر بهِ: رفض الحياد، والتخلي عن رطانة الأوهام.
تقرأ امرأتان رسالة من روزا. الباب إلى جانبهما من نسجينا البيروتي. ليس ألمانياً. وغالب الظن أن المخرج يقصد ذلك. سيعرف المشاهد، من دون أن ينظر إلى اسم المخرج، أو إلى معرِفة أي تفصيل، أن مشهد قراءة الرسالة من السِّجن، هو من إخراج غسان سلهب تحديداً. وهو مشهد، كما درجت العادة، يترك المجال لسيلٍ من التحليل. فالكلام بالألمانية، لكن المتحدثتين ليستا بالضرورة ألمانيتين. وتقرآن الرسالة نفسها، لكن الثانية أوضح من الأولى. وهذا يعني أن لغة روزا لوكسمبورغ لم تفقد معناها في الزمن، بل فقد الزمن معناه في رسالتها. الرسالة مستمرة، ويجب أن تقرأ دائماً بطريقة أفضل. يقول الصوت، مرتين، إنها ترتبط بألمانيا عبر جدتها التي في الغابة. وهذا كل شيء. ترتبط بالغابة أكثر من ارتباطها بألمانيا، أو بالعالم عبر إحدى غاباته. وتقول إن فيها شيئاً من ألمانيا، ولكن أيضاً من بولندا ومن روسيا. ويجب أن نعرِف أننا مِثلها في هذا. جميعنا فينا شيء من بولندا ومن روسيا. حزن أو خوف أو قسوة أو برد ينخر عظامنا.

من الفيلم

«لست إنساناً، بل عصفور أو وحش»، تقول روزا. وفي الخلفية، تدور المعارك. المكان مجرد مكان. وجه الوردة يراقب التاريخ. المعارك دائماً معارك. وهنا، يصير الفهم ممتعاً: لا يؤرخ الفيلم لسيرة روزا، لكنه يؤرخ لسيرة السيرة. ينطلق منها إلى مكانٍ بعيد. ما يميّز أعمال سلهب، وينسحب على هذا العمل أيضاً، أنه لا يتاجر بالأوهام. فالشريط ليس شريطاً قصصياً، ولا يجب أن تحزن في النهاية، يجب أن تحزن طوال الوقت. ولا يجب أن تخطر الأسئلة في بالك بعد الخاتمة، بل يجب أن تؤجل الأجوبة إلى النهاية. ويمكن أن تغيّر رأيك في التفاصيل، لكن ليس في موقع الوردة داخل الغابة. التفاصيل تتبدل كالفصول، لم لا؟ في البداية، لم يكن ماركس يرى تعارضاً بين الديموقراطية والشيوعية، ذلك أن الديموقراطية في النهاية ستمثل مصالح البروليتاريا. وكان النضال مشتركاً من أجل الأمرين برأيه. لكن روزا لوكسمبورغ كانت من أوائل الذين قدموا تفسيراً جديداً للديموقراطية، أي إنها بمجرد أن تخلع الديموقراطية الرداء الطبقي، وتصير أداة لتحقيق مصالح الناس، فإن البورجوازية عبر بيروقراطييها في الدولة ستضحي بالديموقراطية. وهذا تفصيل لا يشرحه الفيلم أيضاً لأنه ليس بيوغرافيا مملة، بل نحت في صخرة التاريخ.
في منتصف الفيلم، ينتصف وجه العصفورة في الشاشة، ويتحرك التاريخ داخله. تحلّق من مكانها بالعالم بعيداً. وهكذا تمرّ الحياة كما يرويها الشريط عبر روزا: Maybe You’ll Never Know. صحيح أن غسان سلهب يحب عناصر الفيلم أكثر من حبّه للفيلم، لكنها مجموعة بحبٍ شديد. فالصوت حيوي، وليس ظلاً للصورة، والصورة ليست صورةً يابسة كما في قصيدة الشاعِر.
ينحاز إلى المصنع والعمال وضحايا الاستعمار والورثة ضدّ الدولة

في السينما، الصورة يجب أن تتجاوز الشِّعر، ويجب أن يُسمح للعين بتحريك المياه الراكدة في اللوحة. وهكذا تبتسم روزا لوكسمبورغ. وفي أحد الأقوال، التي ترد عن المفكرة الكبيرة، تقول إنها «عاجزة عن تصنيف المعايير الأخلاقية للقوى الطبيعية». وفي هذا عودة إلى المتعاليات الكانطية. والشريط على أي حال يرنو إلى الفلسفة، أكثر من ميله إلى الشِّعر. والعنصران معاً يصنعان السينما. هكذا يكمل قطار سلهب محطاته وينتقل بينها برشاقة، فيمرّ في النضال الفلسطيني أيضاً، ولا يقع في مطبات «الدارج»، فينحاز إلى الدولة، بل يعرف وظيفتها. ينحاز إلى المصنع والعمال وضحايا الاستعمار والورثة ضدّ الدولة. في أفلامه، عادةً، كما في «الجبل» وفي «الوادي»، لا يحب غسان سلهب خدعة الأمل. هذه المرة، يلعب اللعبة ذاتها. في الغابة أيضاً، حيث يعاد صوت روزا إلى مكانه، تتحدث عن الأمل. ولكن ثمة شيء مختلف في وردة. ثمة أمل حزين، يسقط مثل الثلج على برلين. الفيلم ليس سيرة، لكنه في مصافّ الحقيقة، لأنه كما يقول هيغل: عندما نقول إن الجمال فكرة، فنحن بذلك نقصد أن الجمال والحقيقة شيء واحد.