غالباً لم يسمع الجمهور السوري كثيراً باسم فرحان الخليل (1954 ــ 2019). كيف لا وهو الذي اختار الخصومة مع الضوء! ككثيرين من العاملين في المسرح، فضلّ العمل في عتمة الكواليس بعيداً عن شهرة التلفزيون. شعر بأنّ الهواء «الفاسد» في أروقة الصالات أكثر نقاءً من ترف المستهلَكْ والمبتذَلْ والتجاري. لن يضير أهل الخشبة الفقر طالما أنّهم ذهبوا بملء إرادتهم نحو تفاصيل هذا العالم الفاتن الذي لا يمكن أن يقدّره إلا من عمل فيه.

بعد ظهر أمس الأربعاء، رحل المسرحي السوري فرحان الخليل بعدما عانى منذ أشهر من مشاكل صحية اختتمت بسكتة قلبية! ربّما يكفيه أن كلّ من مرّ على المسرح السوري يعرفه جيداً، ويدرك خصوصيّته، والملكوت الثقافي الذي حبس نفسه فيه...
لم يغادر الخليل مدينته البحرية اللاذقية. أوهم عائلته بأنّه سيلحق بهم بعدما اتخذوا قرار الهجرة من سوريا. بعد مغادرتهم، أبلغهم بأنّه سيعتصم في بلاده إلى الأبد! وحوّل بيته إلى قاعة بروفات، وملاذ للحظات الحميمة التي يصبح ثقل ذكراها مضاعفاً بعد رحيل بطلها.
بالشكل العام، ترك فرحان انطباعاً حاداً وفجاً في بعض الأحيان لدى من عرفه حتى على السوشال ميديا. لم يكن ذلك سوى فيضان عامر من القسوة الكلامية، والشتيمة التي لا تفارقه. لم يكن يعرف الكثير من معاصريه أنّ ذلك ما هو إلا تعبير عن الغضب الذي يعتمل داخله من كل ما يحدث، واحتجاج غير مباشر على شلال العتمة الذي غمر البلاد.
لم يعمل المسرحي الراحل سوى في ما يتعلق بالخشبة، كتابة وإخراجاً وتمثيلاً ودراسات نقدية ينشرها في منابر إعلامية مختلفة. ومن العروض التي قام بإخراجها على امتداد ثلاثة عقود، نذكر «القبض على طريف الحادي» لممدوح عدوان، و«الهزيمة عن منمنمات تاريخية» و«يوم من زماننا» و«رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» و«طقوس الإشارات والتحولات» و«الأيام المخمورة» و«بلاد أضيق من الحب» لسعد الله ونوس... ولأنّ وجهه سينمائي بجدارة، اختاره المخرج محمد عبد العزيز ليكون حاضراً في فيلمه الطويل الأوّل «دمشق مع حبي» (2010 ــ 95 د).
في اتصال مع «الأخبار»، يؤكد مدير «المسرح القومي» في اللاذقية الممثل حسين عبّاس الخبر، ويضيف: «رحل نتيجة أزمة قلبية. يوم أمس (أوّل من أمس الثلاثاء)، تناول قهوته عندي وتحدّث عن مشاريع عديدة. وكان بيننا موعد اليوم، لكن الموت كان أسرع. لا يمكن وصف هذا الرجل سوى بأنّه العاشق المهووس للمسرح. ربما قرأه كثيرون ظاهرياً بشكل مغلوط، لكن من يعرفه عن قرب يدرك منجم الطيبة الذي يمتاز به. المسرح في اللاذقية فقد شيئاً ثميناً بغيابه».
حتى كتابة هذه السطور، لم تتضح بعد تفاصيل حول مراسم التشييع نظراً إلى وجود أفراد عائلته خارج البلاد.