«مهرجانات بيت الدين» تترك دائماً فسحة للرقص. وهذه السنة لم تخيب جمهورها. كان موعدنا ليلة أمس مع اسم استثنائي في تاريخ الرقص، هو الاسباني أنطونيو غاديس. عملان متكاملان لمعلم الرقص الذي رحل العام 2004، وقد ترك بصماته الثورية على مسار الفلامنكو. غاديس الذي اعتنق الشيوعية، تجوهرت تجربته بين المنافي حيث عاش هاربا من ديكتاتوية فرانكو. كان صديق كاسترو ورفيق بيكاسو، واشتغل مع كارلوس ساورا على رقصات فيلمه «كارمن».

المؤسسة التي تحمل اسم غاديس، جاءت للمرة الثانية الى لبنان، مع فرقة من ٣٠ راقصاً ومغنياً وعازفاً، لتقديم تحفتين كان للجمهور حظ مشاهدتهما امس في بيت الدين. في الجزء الأول من البرنامج، اكتشفنا جوهرته الصغيرة «عرس الدم»، المأخوذة عن نص شهير لفدريكو غارثيا لوركا. قدمها غاديس للمرة الاولى العام 1974، وتختصر كل فنه وفلسفته. في مكان ما بين التراحيديا والباليه، يأخذ الفلامنكو مداه هنا كفضاء لتلاطم المصائر وتفجر اللوعات المحبوسة، وتكثيف المشاعر، عبر احتفال حسي يقوده الجسد. ثم جاءت «وصلة الفلامنكو» (مع كريستينا هويوس)، وهي سجل لفن الفلامنكو حسب غاديس، بقي يتطور ويتقمش طوال عشرين عاما منذ الستينيات، وبختصر مسارا جماليا وفكريا وسياسيا للذاكرة الاسبانية المعاصرة.
غاديس عالمه مشبع بالمراجع الادبية والتشكيلية والمسرحية. ورؤيته الطليعية
تنهل من روح الفلامنكو. اعطاه نفحة تعبيرية، أخذه الى قوالب وآفاق جديدة. «الرقص ليس الخطوات بل ما يكمن بينها»، كان يردد غاديس كما أشارت أرملته لدى تقديم العرض. وذكرت أن إسبانيا نهلت من مراجع عدة بينها الثقافة العربية والرقص العربي، ما يجعلها فخورة بالعودة مع فرقتها الى لبنان. لبنان ايضا كان مندهشا بالأمس، وهو يتلمّس روحه المكسورة في مرآة الفلامنكو.