الجمهور الشاب الذي زحف إلى صالة «الكندي للسينما» لحضور فعاليات «تظاهرة الفيلم العربي» (9 و10 حزيران/ يونيو)، أعاد الروح ــ موقتاً ــ إلى هذه القاعة شبه المهجورة. كنّا نعبر «شارع المتنبي»، من دون أن نتوقّف أمام إعلان «العرض القادم»، ذلك أن هذه الصالة ودّعت زمنها الذهبي باكراً، وفقدت روادها تدريجاً، لغياب المبادرات السينمائية الخلّاقة، باستثناء مناسبات متباعدة. الصالة الحكومية الوحيدة في مدينة دمشق، تعيش موتاً بطيئاً، رغم موقعها الحيوي، وسط المدينة.


ولعل ما نحتاجه فعلاً، وسط هذا الخواء، مقترحات بصرية، يديرها السينمائيون الشباب أنفسهم، كما فعل أحمد الحاج الذي أنجز هذه التظاهرة بمفرده، ليتحوّل هذا المكان إلى فضاء إبداعي مفتوح على الفنون الأخرى، ولملمة شظايا المبادرات الفردية الشجاعة، بدلاً من الانطواء والعزلة والصمت. اليوم هناك عشرات السينمائيين الشبان الذين لا يجدون مكاناً لعرض محاولاتهم الأولى، ومغامراتهم في «مصنع الأحلام»، فلماذا لا تحتضن هذه الصالة تجاربهم؟ هي الصالة التي كانت يوماً ما، مخزناً للصورة البديلة، والذاكرة الحيّة للتجارب الطليعية في العالم، بما فيها الأفلام السورية القديمة التي لم يتح لجيل اليوم مشاهدتها، أو التعرّف إلى هويتها عن كثب.


أعمال مأخوذة بكرم التقنيات الحديثة فيما تفتقد إلى قوة المعنى
خلال ورشة لتبادل الخبرات السينمائية، استشهد ناقد سينمائي أثناء حديثه بفيلم «المخدوعون» (الصورة) لتوفيق صالح، بوصفه أحد التحف السينمائية السورية، ليكتشف أن أحداً من المشاركين في الورشة، لم يشاهد الفيلم، أو يسمع به (!). الأفلام التي شاهدناها في التظاهرة الأخيرة، تؤكد، في معظمها، ارتباك المخيّلة الشابة، وانخراطها في لحظة غائمة تفتقد إلى رائحة التضاريس المحليّة للمكان، وغياب الهوية أيضاً، في قطيعة شبه تامة مع أرصفة خطواتهم المبعثرة بين مقاهي «الشعلان»، وأزقة «باب توما»، وعشوائيات الضواحي. لا حواجز عسكرية في هذه الأفلام، لا عطالة، لا حطام بيوت وبشر، هناك صرخات لم تكتمل، وسرديات بصرية عرجاء، وسوريالية فرضتها لحظة تيه ثقافي أكثر منها نتاج قسوة العيش. سينما مأخوذة بكرم التقنيات الحديثة، فيما تفتقد إلى قوة المعنى، من دون أن ترتطم بوحشة الطريق، وقلة الزاد، لذلك نادراً ما يجد المشاهد ما يبتغيه.
لكننا، في المقابل، سنشدّ على أيدي هؤلاء، وهم يفتشون عن ذواتهم الضائعة في ركام الصورة العولمية، ودهاليز «اليوتيوب»، ومخازن الأفلام، لإنشاء مدوّنة بصرية مضادة. ما شاهدناه على وجه العموم، محاولات مرتبكة لا تصمد طويلاً في الذاكرة، لكن هذا لا يعني أن نترك هذه التجارب الشابة في العراء. فهل تكون «الكندي» ملاذاً بصرياً لهؤلاء، ومكاناً لورشات عمل ودورات تدريبية مستمرة، حتى لا تبقى هذه المحاولات مجرد «مناظر» تسبق عروض الأفلام الطويلة؟