يستضيف «مسرح دوار الشمس» الليلة عملاً إخراجياً مشتركاً لكل من وائل قديح ونانسي نعوس بعنوان «الدائرة الثالثة»: عرضٌ موسيقي راقص مرفق بتجهيز يسائل التفسيرات المتعددة للفقه الديني في الإسلام وعلاقته مع الرقص. إذاً ماذا يجري لو طُبِّقت أحكام الشريعة الإسلامية على الفنون وأشكال التعبير؟ وهل من سبيل لشرعنة الرقص؟


استوجب هذا السؤال سلسلة لقاءات قام بها الثنائي نعوس - قديح مع رجال دين وفقهاء من مختلف المذاهب والأطياف والمناهج الدينية. بدأت عملية البحث منذ عام ٢٠١٣ وترافقت مع صعود الحركات الإسلامية المتشددة في المنطقة العربية.
من هنا كانت ضرورة طرح هذه الأسئلة على رجال الدين في محاولة من صاحبَي هذا العمل لفهم ما يجري حولهما. لا يبدو هذا الموضوع طارئاً على المخرجَين، فهو بشكل أو بآخر امتداد لعملهما الأخيرThese shoes are made for walking (تلك الأحذية صنعت للمشي)، وهو تجريب راقص حول التغيرات السياسية والاجتماعية الحاصلة في العالم العربي، وكانت تيمة علاقة الدين بالمجتمع حاضرة بقوة آنذاك. اليوم، يغوص عرض «الدائرة الثالثة» في تفاصيل تلك العلاقة التي تجمع أو تفرّق الدين عن الرقص وبالتالي الجسد.
أجرى المخرجان مجموعة مقابلات مسجلة مع رجال دين واصطحبا معهما فيديو لراقصة معاصرة لا تتعدى مدتها بضع دقائق، وبادرا إلى طرح سؤال قد تبدو إجابته بديهية: «هل ما رأيتموه للتو مقبول لدى الإسلام؟ حسناً، إذا لم يكن هذا الرقص مقبولاً من ناحية الفقه الديني، فكيف يمكننا تعديل تلك الرقصة لتصبح عناصرها موافقة لشروط أو تفسيرات الفقه الديني؟ وهل هناك، أو هل نستطيع إيجاد أو خلق رقص موافق لتعاليم الإسلام على تعدد مشاربه؟». من هنا، ستتوالى المحاججات والنقاشات التي لن تنتهي بها الحال إلى توافق جذري موحد أو قطيعة لا عودة عنها مع الرقص. يحذر وائل قديح من طرح إشكالية «الرقص» والـ»دين» بطريقة «هم» و»نحن». لا نستطيع جمع الفرق الدينية المتعددة والمتنوعة في بوتقة واحدة، اذ تختلف التفسيرات والمحاججات داخل المذهب الواحد، وبالتالي لا إجابة واحدة عن تلك الأسئلة.
كذلك لم يكن ممكناً اتخاذ الموقف المعهود حول خطر الدين وتهديد الأصوليات الدينية لأشكال الفن. إذ حاول المخرجان الابتعاد قدر الإمكان عن الأحكام المسبقة، وسعيا من خلال هذا العرض إلى خلق مساحة سماع وفهم. هو فضاء لطرح الأسئلة من دون ادعاء المخرجين امتلاك الإجابات الشافية والناجعة التي تضع طرفاً مقابل آخر. وبالتالي، لم يفتحا باب النقد المباشر للفكر الديني.


عملت نانسي نعوس
في تصميم الرقص على مينيمالية الحركة

كانا بحاجة لفهم وجهة النظر الأخرى وفوجئا أحياناً لحساسية بعض رجال الدين، وانفتاح بعضهم الآخر رغم أنّ معظمهم فضل أن يبقى اسمه قيد الكتمان ويبدو ذلك لمصلحة العرض. ذكر تفاصيل مماثلة قد يشتت المشاهد ويودي به إلى أمكنة تغرق الجمهور في انقسامات مذهبية داخلية لن تخدم بطبيعة الحال ماهية «الدائرة الثالثة» التي تطرح بنحو عام علاقة الرقص والجسد بالفكر الديني.
تم توليف تلك المقابلات التي بلغ عددها ١٠ لتشكل عصباً صوتياً للكوريغرافيا المينيمالية ومؤججاً للتفكر والتفكير. اشتغل العرض على ثلاثة مستويات من التفسير: المستوى الأول هو تفسير رجال الدين للأحاديث الدينية المتعلقة بالرقص من دون إغفال رأيهم الشخصي، والمستوى الثاني حمل تفكيك المخرجَين نعوس وقديح عبر المعالجة الصوتية والرقص لتلك التفسيرات في عملية حسابية مبنية على احتمالات التفسير كافة من دون أن يتدخلا برأيهما الخاص والمباشر. أما المستوى الثالث فهو التفسير الخاص بالجمهور. وسيتسنى للمشاهد سماع المقابلات التي أجريت من خلال تجهيز صوتي يسبق العرض. كذلك سيفتتح هذا الأخير بالفيديو الذي شاهده رجال الدين وبنوا رأيهم ومحاججتهم على أساسه.
قد يكون صعباً جمع ما لا يجمع على الخشبة، أي رقص معاصر على أحاديث ونقاشات دينية تشجب أو تحدّ من حرية الرقص. لعله هنا تكمن أهمية الخوض في مخاطرة بحثية فنية مشابهة حيث سيترتب على المشاهد الغوص في عمل تحليلي عقلي يفرض عليه البحث عن إجابات فيما لا يدعي العرض تقديم أي إجابات. لكن هل سيستطيع الرقص أن يقدم «جلاده» على الخشبة من دون أن يقع في خطر تسطيح تلك الإشكالية بداعي البحث عن مساحة فهم وتفاهم؟ علينا أن ننتظر ونر.
وتولى المعالجة الصوتية وائل قديح، وصممت الكوريغرافيا نانسي نعوس واقتصر الأداء على داليا نعوس وحنان الديراني. عملت نانسي نعوس في تصميم الرقص على مينيمالية الحركة بحيث تبدو أقرب إلى الحركة اليومية الخاضعة لتأويل جسدي جديد تماماً كما يقوم رجال الدين بتأويل الأحاديث والنصوص الدينية. ترى نانسي «أن عملية البحث في العمل ما زالت مفتوحة أكان من الناحية النظرية أم العملية والتأويلات لا متناهية، وهي تطاول كافة عناصر العرض من النصوص الدينية إلى الكلمات وصولاً إلى الرقص والموسيقى».
أُنتج هذا العرض في إطار احتفال «المورد الثقافي» بمرور عشر سنوات على تأسيسه. قُدم العرض العالمي الأول له في مصر في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي خلال احتفالية «بدون تكليف»، وقُدِّم في آذار (مارس) الماضي في «متحف حضارات أوروبا والبحر الأبيض المتوسط» (MuCEM) في مرسيليا في فرنسا.

* «الدائرة الثالثة» لنانسي نعوس ووائل قديح: 20:00 مساء اليوم ــ «مسرح دوار الشمس» (الطيونة) ـــ للاستعلام: 01/381290