غيمة سوداء تمرّ فوق القنوات اللبنانية، ويبدو أنها لن تنجلي قبل العامين المقبلين على أبعد تقدير. كل الإشارات تدلّ على أن المحطات المحلية لن تشهد أيّ انفراجات مالية وشيكة! هذه الأزمة ليست جديدة على الشاشات، فقد بدأت قبل نحو أربع سنوات، وتحديداً مع تدهور الأوضاع في الدول العربية المجاورة مع انطلاق ما يسمّى «الربيع العربي»، لكن الجديد هذه المرة أنها بلغت أفقاً مسدوداً دفع برؤساء مجالس إدارات الشاشات اللبنانية الثماني mtv، lbci، «المنار»، «الجديد»، Otv، nbn، «تلفزيون لبنان» و «المستقبل» إلى الاجتماع تحت سقف واحد والبحث عن مخرج.


جلس القائمون على القنوات على طاولة واحدة في قناة nbn للحديث علناً عن الأزمة وكيفية تخطيها. في هذا الإطار، يقول قاسم سويد المدير العام لـnbn في حديث لـ «الأخبار»: «اجتمع رؤساء مجلس الإدارة مرّات عدّة على طاولة واحدة، وسوف تتلاحق الاجتماعات للوصول إلى حلول واقعية لتخطّي العقبة المالية». ويتابع «أسباب عدّة تقف وراء الضائقة المادية، أوّلها: تراجع سوق الإعلانات في لبنان بسبب الأوضاع السياسية. وهذا التراجع سبّب انكماشاً إعلانياً انعكس على الإعلام هذه السنة على نحو لافت». ويضيف: «للأسف، هناك تنافس شرس بين المحطات اللبنانية يدفع كل قناة إلى الفوز وحدها بحصّة الأسد من الإعلانات. وفي هذا الإطار قُدّمت طروحات عدّة أهمها: توزيع الإعلانات على نحو جدّي ومُنصف بين القنوات، بحيث لا تستحوذ قناة وحدها على الحجم الأكبر من الإعلانات، وأخرى لا تصيب منه إلا القليل، كما يجب التخفيف من حدّة المنافسة الإعلانية، والابتعاد عن التضارب في عرض الإعلانات. كذلك، يجب الانفتاح على أسواق إعلانية جديدة». ويلفت سويد إلى أنه «قبل سنوات، اُقترح في مجلس الوزراء تطبيق مشروع Fiber optic لكنه لم يتحقّق. علماً أنّ المشروع يقوم على دفع مبلغ ماديّ زهيد لقاء مشاهدة القنوات اللبنانية. ربما حان موعد تنفيذه اليوم.

يحتاج المشروع إلى موافقة وزارتي الاعلام والاتصالات

لذلك وجد القائمون على الشاشات أن ضبط سوق «الكابل» المفتوح بطريقة عشوائية أمام الناس، أصبح خطّوة مهمة تستفيد منها جميع المحطات. يدفع اللبناني نحو دولار واحد (مبلغ لم يُتفق عليه) مقابل مشاهدة الشاشات اللبنانية، ويُضاف المبلغ إلى فاتورة الهاتف الثابت الشهرية». وعما إذا كان الاقتراح الأخير قادراً على نشل القنوات من أزمتها المادية؟ يجيب سويد: «طبعاً، هذا الحلّ يساعد الشاشات مادياً، كما أن تنظيم «الكابل» يقدّم إلى المشاهد نوعية جيدة من البثّ من دون تشويش». يدعم سويد رأيه، مستعيناً بالقرار الذي اتخذته قناة «الجزيرة» عند عرض مباريات «المونديال» الصيف الماضي. يومها فرضت القناة القطرية رسوماً على المشاهدين، لأنها كانت تملك الحقّ الحصري لبثّ المباريات، فهل يحقّ لـ «الجزيرة» ما لا يحقّ للشاشات المحلية؟». ويكشف أن خطوة العائد الماديّ بدأ تفعليها، وجرى تعيين محام متخصص في هذا المجال لبدء تنفيذها بطريقة مدروسة وقانونية. يبدو سويد متفائلا باجتماعات رؤساء مجلس القنوات، لافتاً إلى أن المحطات تتمنّى الوصول إلى حلول فعلية للخروج من المأزق، الذي يطاول الشاشات من دون استثناء. برغم هذا التفاؤل، للأسف هناك عقبات عدّة تقف في وجه تحقيق اقتراحات القائمين على القنوات. ما لم يقله سويد، أو تجنّب الحديث عنه هو انعكاسات الاختلافات السياسية بين القنوات اللبنانية على الحلول المقترحة. لم تتفق هذه الشاشات على نشرة أخبار موحدّة حول الوضع المتأزّم في البلد، فكيف ستوزّع حصص الإعلانات في ما بينهما؟ كما أن ضبط «الكابل» عبر اشتراك رمزي سيعزّز بعض القنوات غير المشاهدة على حساب المحطات الأكثر متابعة. الشاشات اللبنانية تتصارع باستمرار على إحصاءات نسبة المشاهدة، وجميعها تدّعي أنها الأولى من دون منافس، فكيف ستقبل دمجا إعلانيا يجعل من الشاشات سواسية؟ بات معروفاً أن قناة mtv تأخّرت ثلاثة أشهر عن دفع رواتب موظفيها، وبدأت صرخة العاملين فيها تتصاعد لدرجة أن مقدّمات نشرات الأخبار في mtv بدأن بالترويج لأنفسهن بأنهن يتلقين عروضاً من محطات أخرى. ويصف مصدر داخل المحطة التي يديرها آل المرّ الوضع قائلاً «نتّجه نحو الخراب». تلك الأزمة لا تعانيها mtv فحسب، بل جميع القنوات من دون استثناء، وأهمّ أسبابها التمديد مرتين لمجلس النواب اللبناني الذي كان بمثابة الصفعة الكبرى وتأجيل الانتخابات التي ترفد القنوات بالسيولة المطلوبة وبـ «الإيرادات المادية غير التقليدية»، لأن الإعلانات وحدها لا تكفي. في النهاية، يبقى أن تطبيق ضبط «الكابل» يحتاج إلى اتفاق سياسي للموافقة عليه في مجلس الوزراء، لأنه من مسؤولية وزارتي الاعلام والاتصالات، اللتين تتوليان مهمّة بثّ القنوات وتنظيمها.
وفي إتصال لـ «الأخبار» مع وزير الإعلام رمزي جريج، نفى الأخير علمه بقرارات القنوات اللبنانية، قائلاً «لا أعلم الوضع المادي للمحطات الخاصة، لذلك لا يمكنني الجزم بذلك الإقتراح». واعتبر أنّ لدى وزارة الاعلام مهاماً أساسية حالياً هي الإنتقال من البثّ التماثلي إلى البث الرقمي، الذي سيتم قبل حزيران (يونيو) بالاتفاق مع وزارة الاتصالات طبعاً.
فهل تصبح مشاهدة القنوات لقاء مبلغ ماديّ؟ وهل يتحمّل اللبناني العبء الاقتصادي الذي تمرّ به الشاشات؟