منذ القرون الأولى حتى العصر الحديث، بقي السؤال الديني حاضراً في التاريخ المسيحي، كما لاحظ ج. ويتلر قبل ستين سنة. في كتابه المرجعي «الهرطقة في المسيحية» الذي انتقل إلى المكتبة العربيّة عن «دار التنوير» (تعريب جمال سالم)، يرصد المؤرخ الفرنسي الحراك الديني في الغرب من خلال البدع التي حملت بطريقة أو بأخرى طابعاً ثورياً


ريتا فرج
«دين من دون كهنة أو كنائس أو أسرار» دعوة الراهب هنري دو لوزان (1116 ـــــ 1148) تبدو أكثر فوضوية من المتوقع. المسيحية الغربية التي دخلت اليوم عوالم ما بعد فقه لاهوت الحداثة، لن تصدمها المقولات التي صاغها مارتن لوثر (1483 ـــــ 1546)، حين رأى أن بابا روما هو المسيح الدجال، وحين وصفه الفوديون بـ«عاهرة بابل». ورغم ما حققته كنيسة روما من إنجازات في التصالح مع الحداثة، يبقى السؤال الديني حاضراً في تاريخها، هجست به الفرق الدينية منذ قرونها الأولى حتى العصور الحديثة.
«الهرطقة في المسيحية» للمؤرخ الفرنسي ج. ويتلر الذي وضعه عام 1950 (دار التنوير» ـــــ تعريب جمال سالم) يسلّط الضوء على البدع في تاريخ المسيحية، وما أكثرها: فرق وملل تصيب القارئ بصدمة معرفية لدى اكتشافه هذا الكمّ الهائل من الهرطقات والمجازر التي ارتكبت باسم الدين. قبل أن يؤرخ الكاتب لها، يحدد الدلالة الاصطلاحية لمفهوم البدعة، والموقف الكاثوليكي منها، وأساليب معاقبة من سمّتهم الكنيسة الزنادقة.
بدءاً من عام 325 تاريخ انعقاد أول مجمع مسكوني في نيقية، استهلت طوائف المؤمنين حروبها الإيمانية ضد الهراطقة. لكنّ الانشقاق بين الكنيستين الرومانية واليونانية، لم يؤرق وحده حراس الهيكل. فقد اجتاحت تاريخ المسيحية بدع وضعت تحت أكثر من عنوان. البدع اليهودية المسيحية التي ظهرت في الحقبة الرسولية ـــــ أي التي عاصرت رسل المسيح ـــــ انقسمت إلى اتجاهين: النصرانيون المنتسبون إلى الرسول يعقوب «الذين جمعوا بين الكمال الإنجيلي والالتزام بالناموس القديم»، والأبيونيون (كلمة عبرية تعني الفقراء) الذين عدّوا الختان والتقشّف الغذائي والممارسات الناموسية والإكثار من الوضوء بمثابة الشروط الجوهرية للخلاص.
بين القرن الخامس والخامس عشر، استطاعت الكنيسة لجم حركة الابتداع «وإن بمشقة». غير أن الهرطقات عادت إلى صحوتها، فظهرت في القرون الوسطى، وقد صنّفها الكاتب ضمن ثلاث مجموعات: الدوغمائية المناهضة للكهنوت، والبيزنطية، واليوغوميليون المنتمون إلى المجموعة الأولى، وقد نسبوا إلى الشيطان خلق العالم، ورفضوا العهد القديم، وأعطوا لعجائب المسيح طابعاً رمزياً، وكرهوا الصليب بوصفه أداة صلب المسيح. أرنو دو بريسيا المنتمي إلى ما سمّاه ويتلر «الهرطقات ضد الكهنوت»، أعلن ثورته على الكنيسة وأساقفتها. الكنيسة عنده لم تعد «الكنيسة الحقيقية»، ولم تعد ثمة حاجة لتلقّي الأسرار المقدسة من أولئك الكهنة المتعطّشين للثورات.
الفرق المسيحية في القرن الخامس عشر اتخذت مساراً مختلفاً. فالخلاف الفلسفي طبع تاريخها، واتجهت نحو علم الكلام، وتصارعت في ما بينها على الاصطلاحات والمعاني التي تصنّف الأفكار والكائنات. وقد تشظّت إلى اتجاهين: الواقعيون والاسمانيون. وها هو القديس آنسيليم «بوصفه واقعياً» يقدم برهانه الأنطولوجي على وجود الله «على قاعدة أن الكمال يستتبع الوجود». أما روسولان الزعيم الروحي للاسمانيين، فقد أحلّ المبدأ القائل بوجود ثلاثة آلهة، مقارباً إياها من الكليات التي ليست سوى كائنات عقلية، لا ندركها إلّا عبر الإحساس والتجريب.
يرفض ويتلر إحالة البروتستانتية على البدع، إذ إنّ الإصلاح الديني الذي قاده مارتن لوثر في ألمانيا، وجون كالفن من فرنسا في القرن الخامس عشر، رافقته ثورة فلاحية ضد النظام الكنسي الإقطاعي. وحين وضع لوثر أطروحته عن صكوك الغفران، شعر أن هناك قوة خفية تقوده إلى إطاحة «المسيح الدجال الذي يحكم في الإدارة البابوبة في روما». أما نجاح عقيدته فدشّن الإصلاح الديني في المسيحية الغربية، بعدما خاضت حروباً دموية باسم الدفاع عن العقيدة.


مع ديكارت وفولتير، دخلت المسيحية الغربية عهد المصالحات التاريخية

الفرق والملل التي أرهقت أوروبا لم تكن أقل ضراوة من الذي حدث في أميركا، فالانشقاقات الدينية وصلت إلى 143 ملة، يتوزع عليها البروتستانت الأميركيون «من العرق الأبيض فقط، ذلك أنّه بخصوص السود يصبح الحساب مستحيلاً» كما يلفت ويتلر. الانشقاقات الكاثوليكية في العصور الحديثة توزعت على ثلاث فرق، هي الابتداعية الصوفية، والجانسينية، والتجديدية. وقد امتدت من القرن السابع عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر، ومعها بدأ عصر العقلانية الذي أقلق كنيسة روما، أكثر من الهرطقات القديمة. ومع رينيه ديكارت وفولتير وديدرو ومن حذا حذوهم، دخلت المسيحية الغربية عهد المصالحات التاريخية، فأعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله، لكن على أشلاء الصراعات الدموية بين الكاثوليك والبروتستانت.
«الهرطقة في المسيحية» كتاب موسوعي أرّخ فيه ج. ويتلر لتاريخ الحراك الديني في الغرب. ورغم ما تحويه الفرق والبدع التي درسها من أفكار لا يتقبّلها عقلنا اليوم، إلا أنّها كانت مولّدة للتاريخ، ومثّلت رد فعل على انتهاكات «البابا الدجّال» كما رآه لوثر. ولعل التوصيف الذي نحته مؤرخ الكنيسة دولينغر، حين قال «كان لكل العقائد الهرطوقية التي ظهرت في القرون الوسطى طابع ثوري»، يعبّر بصوت صاخب عن بانوراما دينية شديدة الجاذبية لجهة تنوّعها وأفكارها، وإن بدت ظلامية أحياناً.