الباحث والأكاديمي العريق بعيداً عن بغداد


انطفأ شيخ المؤرخين العرب في الحادية والتسعين، تاركاً مؤلفات مرجعيّة في التاريخ العربي والإسلامي الذي تناوله من منظور اقتصادي. مؤسس «كليّة الآداب والعلوم»، نواة جامعة بغداد التي هجرها في الستينيات، وضع المداميك الأساسيّة لتأريخ عربي بعيد عن التوهيمات والأساطير. تلامذته وزملاؤه وأصدقاؤه يتذكرونه في العراق

بغداد ــ حسام السراي
رحيل عبد العزيز الدوري عن 91 عاماً يوم الجمعة الماضي في عمان، يضعنا أمام أكثر من سؤال ملحّ. لعلّ أبرزها يبقى إلى متى يظلّ المفكرون العراقيون بعيدين عن أرضهم الأم حين تدقّ ساعة الرحيل؟ المؤرّخ والمفكر العراقي الكبير، دفن في العاصمة الأردنيّة حيث أقام طويلاً، ليجدّد برحيله هذا، سؤال الراهن العراقيّ المضطرب.
ذلك الطفل الذي ولد في قضاء الدور التابع لمحافظة صلاح الدين (وسط العراق)، وحمل اسم مكان مولده، توجّه مع عائلته إلى بغداد ليكمل دراسته الثانوية. كان يرغب في دراسة الطب، غير أنّ ميوله كانت تأخذه دوماً باتجاه الاقتصاد. لكنّه حاز منحة لدراسة التاريخ في الخارج، فسافر إلى لندن ليتابع تحصيله الأكاديمي في «مدرسة الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة» العريقة، وينال الدكتوراه في التاريخ عام 1942. بعد عام، عاد إلى بغداد مدرّساً للتاريخ الإسلاميّ في «دار المعلمين العالية». بعد ترقيته إلى درجة الأستاذيّة، أصبح الدوري عميداً لـ«كلية الآداب والعلوم» التي أسّسها عام 1949. لاحقاً، ترأس دائرة التاريخ في جامعة بغداد، ثمّ عيّن رئيساً لهذه الجامعة في الستينيات العراقيّة المضطربة.
لم يكن الراحل بمنأى عن التقلبات السياسيّة التي شهدتها بلاده. بعدما كان على علاقة وثيقة بالعائلة المالكة في العراق ـــــ يعتقد أنّه كان مُدرّساً للملك فيصل الثاني ـــــ سجن في عهد عبد الكريم قاسم (1958 ـــــ 1963)، إثر قضية تتعلق بالنقابات والاتحادات المهنيّة، فقد كان الدوري حينها رئيساً لجمعية المؤلفين والكتّاب. أطلق سراحه بعد أشهر، ليعاد تعيينه أستاذاً في كلية الآداب. وإذا كان رئيس الوزراء العراقيّ في حينها عبد الكريم قاسم، قد اختار عبد الجبار عبد الله ليكون رئيساً لجامعة بغداد على حساب الدوري، فإنّ الأخير نجح في أن يكون رئيساً للجامعة نفسها، بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963، في أيام صعبة، غَدُها غير واضح المعالم. الدوري نفسه الذي وافق على أن يكون رئيساً لجامعة بغداد، أقيل منها بأمر من عبد السلام عارف رئيس جمهورية العراق بين 1963 و1966، ثمّ أعيد إلى منصبه مع مجيء عبد الرحمن عارف رئيساً بين 1966 و1968، ليفصل الدوري بعدها ويعتقل لمدة عام، حتّى غادر العراق، بسبب اختلافه مع الأجواء السائدة فيه حينها. فرغم أنّه كان قوميّاً، لم يكن متحزباً.
وسط هذه الرمال المتحركة، قرر الدوري الإقامة في العاصمة الأردنيّة، وبقي فيها طوال العقود الخمسة الماضية. هناك، واصل حضوره الأكاديمي، أستاذاً للتاريخ في «الجامعة الأردنيّة»، وكان في السابق قد عمل أستاذاً زائراً في «جامعة لندن» (1955)، و«الجامعة الأميركيّة في بيروت» (1959).
كتابه المرجعي «مقدمة في تاريخ صدر الإسلام» (1950)، وكتاباه «مقدمة في التاريخ الاقتصاديّ العربيّ» (1987)، و«تاريخ العراق الاقتصاديّ في القرن الرابع الهجريّ»(1948)، جاءت تتويجاً للعلاقة بين ولعه بالاقتصاد ودراسته للتاريخ. كما كان أبرز من أرّخوا لنشأة القوميّة العربيّة، في كتب مرجعية منها «الجذور التاريخية للقومية العربية» (1960)، و«التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي» (1984)، (صدرت كتبه بأكملها عن «مركز دراسات الوحدة العربيّة»). «تاريخنا مثقل ومكتوب وفق الأسطرة، لكنّ الدوري خرج عن هذا التقليد، حين أدخل الاقتصاد على التاريخ»، يشرح عالم الاجتماع العراقي متعب مناف، تلميذ الدوري المتأثر بمنهجه. المعرفة، كانت من أبرز هموم الراحل، إلى جانب جمع من المفكرين العراقيين من أبناء جيله، ومنهم عالم الاجتماع والمؤرخ علي الوردي، والناقد جواد علي الطاهر. «أوجد الدوري ثورة تعليميّة، ورفع شعار: العلم للعلم وليس للتعيين والحصول على وظيفة»، يلفت مناف. وحين أسس كلية الآداب والعلوم، واضعاً لها أسساً رصينة، «تدخل حتّى في اختيار الطباشير».


تعامل بحذر مع الثقافة الشعبيّة لأنها «قد تفضي إلى تسييس التاريخ»
دأب الدوري على البحث، جعل المؤرّخ المصري الشهير حسن حبشي (1915 ـــــ 2005) «يحسد العراق على وجوده فيه، لكونه يتعامل مع التاريخ بوصفه علماً من دون تهويمات». محاولات الدوري في تغيير مفاهيم الثقافة التاريخيّة، كانت تقف في وجه إدخال جزء من الثقافة الشعبيّة فيها، لما تكتنفه من «احتقان، قد يفضي في النهاية إلى تسييس التاريخ»، يلفت مناف. الهاجس الأساسيّ للدوري كان فهم التاريخ اقتصاديّاً، كأنّه أراد العودة إلى ولعه الأوّل بالاقتصاد. أراد أن «يفلسف التاريخ، لكن ليس بنحو تهويميّ يعيد إنتاجه بتجنّب مشكلات الحاضر وامتداداتها في الماضي»، يشرح مناف. «كان يفكر في إطار جدليّ هيغليّ، لا ماركسيّ، بمعنى أنّ للأمور فعلاً وردّ فعل».
المفكر العراقي المتخصص في الفلسفة الإسلامية حسام الألوسي، يتذكر جديّة الدوري في التعاطي مع الجميع، حتّى مع أصدقائه. بعد عودته من إنكلترا حاملاً شهادة الدكتوراه في الفلسفة، ذهب مع خاله جمال الدين الألوسي إلى مكتب الدوري ـــــ كان حينها عميداً لكلية الآداب ـــــ طالباً تعيينه. فأجابه الدوري يومها: «لو كان هناك قسم فلسفة آخر خارج بغداد لما قبلته عندي، لأنّ القانون لا يسمح بمبدأ التعيين في المركز». جملة من الذكريات يستعيدها الألوسي اليوم، وآخرها لقاؤه بالدوري عام 2006 في «مكتبة الإسكندرية». «كان حيويّاً ونشيطاً أكثر مني»، يتذكر الألوسي، مشدداً على أهمية ما أنجزه الدوري في التأريخ للمرحلة العباسيّة من التاريخ الإسلاميّ، خصوصاً على «خلو شخصيته من الأمراض التي طرأت على شعبه للأسف، من نوع المحاصصة والطائفيّة».