إنه خبر سار، لكنه وصلكم على الأرجح. فقد انتشر منذ أيام ووصل للمهتمّين بالموضوع كما لكثيرين ممن لا يعنيهم الأمر كثيراً. إنه أرشيف «أوركسترا برلين الفلهارمونية»، من حفلات مصوّرة ووثائقيات وأفلام ذات صلة وغير ذلك من المواد التي تدور في فلك الموسيقى الكلاسيكية الأوركسترالية، بين مؤلفين وأعمال وشخصيات موسيقية (قادة أوركسترا بشكل أساسي بطبيعة الحال)، وقد وضعه القيمون عليه في متناول الجميع لمدّة شهر، تضامناً مع ملايين البشر الذين يحجرون أنفسم في البيوت (يكفي الدخول إلى موقع الأوركسترا الرسمي على الإنترنت، وتسجيل حساب يمكن الولوج عبره مجاناً إلى ما يسمّى «صالات الحفلات الرقمية»). بالتالي، هذه السطور ليست لإعلامكم بالخبر، بل لشرح محتوى «الهدية» ونقل بعض التوجيهات المفيدة لمن هم بحاجة إليها. بمعنى آخر، ما هي الملامح العامة للأرشيف المذكور ومواصفاته وخارطته وما هي الأولويات بالنسبة إلى الجمهور غير الضليع بهذا المجال، لكن لديه الفضول (والوقت حالياً) كما بالنسبة إلى الذين لديهم علاقة سمع وبحث قوية بالكلاسيك الغربي؟

أرشيف «أوركسترا برلين الفلهارمونية» (الأوركسترا رقم 1 في العالم) مقسّم إلى ثلاث خانات: الحفلات، الأفلام والمقابلات (بالإضافة إلى البث الحي، أي الحفلات المصوّرة التي ستقدّمها الأوركسترا في المستقبل القريب، لكن هذه الخانة ليست ذات أهمية حالياً، بما أن المواعيد معلّقة بسبب كورونا). «الحفلات» تضم مجموعة ضخمة من أرشيف الأمسيات المصوّرة للأوركسترا، منذ ستينيات القرن الماضي، أي في عصر قائد الأوركسترا الأسطوري، هربرت فون كارايان الذي كان أوّل من «أدخل» الكاميرا (تعامل مع مخرجين كبار، وأخرج أيضاً بنفسه بعض الأعمال الأوركسترالية والأوبرالية) بشكل جدّي وفعّال وموجّه إلى عالم الموسيقى الكلاسيكية الأوركسترالية والأوبرا. إنها الخانة الأكبر والأغنى والأكثر تشعّباً في الأرشيف، بطبيعة الحال، لكنها مقسّمة بدورها إلى محاور عدة تسهّل البحث بحسب الذائقة أو الاهتمام. هكذا، يمكن البحث عن مادة موسيقية مصوّرة انطلاقاً من: قائد الأوركسترا، أي الأربعة الرئيسيون بعد فيلهلم فورتفانغلر (الذي رحل عام 1954)، وهم: هربرت فون كارايان، كلاوديو أبادو، سايمن راتل وكيريل بيترنكو (القائد الجديد لـ«برلين»)، بالإضافة إلى عشرات القادة الزائرين الذين تدعوهم الأوركسترا لقيادتها دورياً… إنهم بالعشرات وهم أهم رموز المهنة منذ نصف قرن. بعد القادة، يمكن البحث من خلال اسم المؤلف: منذ عصر الباروك (باخ، هاندل، فيفالدي، رامو،…) لغاية اليوم، يكاد لا يغيب أي اسم كبير عن لائحة المؤلفين، لكن بطبيعة الحال، الثقل يميل، أولاً، إلى المؤلفين الأوركستراليين (أي الذين كتبوا قدراً محترماً كمّاً ونوعاً من السمفونيات والكونشرتوهات والأوبرا وغيرها من الأعمال التي «تشغّل» الأوركسترا)، ثانياً، إلى الفترة الممتدّة من بدايات الحقبة الرومنطيقية (مطلع القرن التاسع عشر) إلى النصف الأول من القرن العشرين، مع حصّة أسد يتقاسمها مؤلفو تلك الفترة وبعض «المتطفّلين» الذين ترد أسماؤهم في أي تصنيف له علاقة بالموسيقى (ونقصد باخ من حقبة الباروك وموزار من الحقبة الكلاسيكية): بيتهوفن (المؤلّف الأول في أرشيف الأوركسترا)، شوبرت، شومان، برامز، فاغنر، بروكنر، تشايكوفسكي، دفورجاك، سيبليوس، ر. شتراوس، دوبوسي، رافيل، رخمانينوف، سترافينسكي، شوستاكوفيتش، بروكوفييف، بارتوك. أي عمل لهؤلاء ورد في حفلة يمكن الولوج إليه بسهولة تامة. باب البحث الثالث، بعد قادة الأوركسترا والمؤلفين هو «العازفون المنفردون». المقصود بهذا الباب هو، مثلاً، عازفو البيانو أو الكمان والكلارينت الذين أدوا أعمالاً من فئة الكونشرتو برفقة «أوركسترا برلين» أو حتى عزفوا أعمالاً منفردة، لكن ضمن أمسية تجمعهم بالأوركسترا بالأساس (عموماً إنه الـbis الذي يضيفه العازف من خارج البرنامج في ختام الأمسية). هنا أيضاً الأسماء بالعشرات، وحصة الأسد بطبيعة الحال لعازفي البيانو. أما إذا لم نكن من الضليعين بأسماء العازفين أو قادة الأوركسترا أو المؤلفين، فيمكننا البحث في الأرشيف من خلال الفئات (أو التركيبة): موسيقى الحُجرَة (ليس بالمعنى العام، بل بالمعنى الأوركسترالي، أي الأعمال التي لا تتطلب مشاركة كاملة للأوركسترا، بل، مثلاً، الوتريات فقط أو آلات النفخ فقط أو الأعمال التي تتطلب اختزالاً لعائلات الآلات، كما هي الحال بالنسبة إلى مؤلفي عصر الباروك إجمالاً)، الكونشرتوهات (الأوركسترا بمشاركة عازف منفرد أو أكثر)، الأعمال السمفونية (السمفونيات والأعمال ذات التركيبة الأوركسترالية الكاملة، من دون مشاركة عازف منفرد ودون غناء) والأعمال الغنائية (أوبرا، مقتطفات أوبرالية، ليدر بمرافقة أوركسترالية، أعمال إنشادية دينية…). يمكن كذلك، بطبيعة الحال، التفتيش بحسب الحقبة: الباروك، الكلاسيكية، الرومنطيقية، نهايات الرومنطيقية (أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين)، والعصر الحديث. هنا، قد نجد اسم المؤلف ذاته في حقبتَين متباعدتَين، كالحقبة الكلاسيكية والعصر الحديث، والسبب يعود إلى نَفَس العمل، الذي قد يكون محاكاةً في التأليف لمدرسة قديمة، فيما ينتمي مؤلفه إلى العصر الحديث، وهذا ترتيب ذكي، لأنه يقلل احتمال إعطاء فكرة خاطئة عن مؤلف ما أو حقبة ما، لمن ليس لديه أي إلمام بهذا المجال. أخيراً، يمكن التفتيش عمّا يهمّنا من خلال مواسم التسجيل، أقدمها يعود إلى عام 1966 وأحدثها هو الموسم الحالي طبعاً (2019/2020). يقترح الموقع أبواب بحث أخرى، لكنها ليست ذات أهمية كبيرة.

حفلات مصوّرة ووثائقيات وأفلام ذات صلة في متناول الجميع لمدّة شهر


«الأفلام»… إنها الخانة الأكثر جاذبية للجمهور العريض، وفي الوقت عينه، هي الأكثر «صعوبة» لمن لديه علاقة عامة بالموسيقى الكلاسيكية كأعمال وكموسيقيين (قادة أوركسترا بشكل أساسي). ففي هذا الجانب من الأرشيف، هناك بورتريهات لقادة كبار، من شأنها أن تعطي فكرة عن هذه الشخصيات بين سيرتها وأسلوبها في العمل وغير ذلك، لكن قد نسمع من هذه الشخصيات أو من الراوي في هذه الوثائقيات كلاماً يتطلّب اطلاعاً مسبقاً كافياً لكي تصل الفكرة التي يعالجها هذا المقطع أو ذاك. أبرز الأفلام تتناول هربرت فون كارايان، الذي لم تبقَ زاوية في حياته إلّا ودخل منها مخرجون لإنجاز شريط مصوّر يصوّب عليها بشكل محدد. عدد هذه الأفلام حوالى خمسين، وبعد كارايان، أهم المواد المتوافرة تطال كبار قادة الأوركسترا الذي عملوا مع «برلين»، على رأسهم الرئيسيون (كلاوديو أبادو وسايمن راتل، بالإضافة إلى وثائقي بعنوان «فجر عصر جديد» يتناول القائد الجديد لـ«برلين» الروسي/ النمساوي كيريل بيترنكو) الذين قادوها كزائرين مثل العملاقَيْن كارلوس كلايبر (يتناوله الوثائقي بشكل عام، على اعتبار أن علاقته بـ«برلين الفلهارمونية» محدودة جداً رغم قيمتها الكبيرة) وسيرجيو تشيليبيداكِه (Sergiu Celibidache)، بالإضافة إلى وثائقي يجمع بين أكثر من قائد زائر في حوار حول تجربته مع «برلين». من جهة أخرى، تجدون أيضاً شريطاً عن القائد الملِك الذي سبق كارايان، فيلهلم فورتفاتغلر (وهي المادة الوحيدة التي تعالج شخصية ذات صلة بالأوركسترا قبل كارايان)، وآخر شيّقاً جداً (ويهمّ عشاق الرقص الحديث) مبنيّاً على عرض راقص على موسيقى «طقوس الربيع» لسترافينسكي، وفيلم يعرّفنا عن قرب بـ«منزل» الأوركسترا (الصالة الأساسية التابعة لها وتوابعها) بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام، القصيرة إجمالاً، التي تعرّف بالوجوه البارزة من أعضاء الأوركسترا.
أخيراً، الخانة الأقل أهمية، عموماً كما بالنسبة إلى غير الملمّين بالكلاسيك، هي «المقابلات»، فعلاً إن لم يكن الداخل إلى هذا الموقع من السمّيعة الجديين جداً، لن تهمه مقابلات مع موسيقيين حول موضوع محدد جداً، مثل تسجيل هذا العمل وأداء ذاك المؤلف. معظم هذه المقابلات يعود إلى ما بعد عام 2009، والسبب أنَّ في تلك الفترة، بدأت معظم الجهات العاملة في هذا المجال (ناشرون، أوركسترات، صالات، مواقع لبيع التسجيلات، مجلات رقمية،…) بإرفاق أي حدث كلاسيكي (حفلة، إصدار أسطوانة، جولة، وفاة، نجم صاعد،…) بمادة مصوّرة، لما لذلك من أهمية في عصرنا.
أنتم على متن أجمل سفينة في العالم وهي تبحر في أجمل محيطات الجمال والأناقة… استمتعوا ولا تفوّتوا الفرصة. ضعوا جانباً أفكاركم المسبقة عن الموسيقى الكلاسيكية، فقد فقدتم حجّة أوضاعكم المادية التي لا تتناسب مع عالم الكلاسيك، بعدما أهدتكم «أوركسترا برلين الفلهارمونية» أرشيفها المهيب، وبعدما فقدتم حجة «الوقت الثمين» الذي لن تصرفوه، اليوم، على ما هو أثمن من هذا الكنز، ما بقي كورونا يجول في أرجاء الكوكب.