كانت سياسة الانتداب تشجّع القطاع التعليمي الخاص وتتعمد إهمال التعليم الرسمي. وقد أكمل الاستقلاليون هذه السياسة، فأوكلوا إلى الآباء اليسوعيين مهمة الإشراف على تنظيم وزارة المعارف والفنون الجميلة. وقد ضمن هذا التنظيم عام 1953 تفوّق المدرسة الخاصة الطائفية وإبقاء التعليم الرسمي ضعيفاً ومهملاً. وفي عام 1944، أنشئت كليتان تابعتان لجامعة ليون هما المدرسة العليا للآداب ومركز الدراسات والأبحاث في الرياضيات والفيزياء، وذلك بهدف القضاء على فكرة إنشاء جامعة وطنية لبنانية (اميل شاهين، ص 35).

تحرك الطلاب للمطالبة بالجامعة الوطنية والتعليم المجاني، على شكل فردي وروابط صغيرة، إلى أن تشكّل عام 1948 اتحاد الطلاب العام الذي انتخب رئيسه الأول فرج الله حنين. عمل الاتحاد على فضح تقصير السلطة وانحيازها إلى المدارس الطائفية والخاصة والإرساليات والجامعات الأجنبية، فيما لم تعترف الدولة اللبنانية بالاتحاد، ووقفت بالمرصاد لكلّ تحركاته المطلبية، وعمدت إلى ملاحقة أعضائه واعتقالهم وداهمت منازلهم قبل كلّ تحرّك وبعده.
كان أول المستجيبين لمطالب الاتحاد لجنة التربية النيابية التي أوصت في جلسة 16/1/1950 بإنشاء جامعة وطنية ورصد الاعتمادات اللازمة لذلك في الموازنة العامة. لكن مجلس النواب لم يكن متحمّساً للفكرة، فأقرّ موازنة عام 1950 خالية من تخصيص أي مبلغ للجامعة (اميل شاهين، ص 48). عندها، نفّذ اتحاد الطلاب مسيرة ضخمة أمام جامعة القديس يوسف رافعا شعار إنشاء المدارس الرسمية الثانوية والجامعة اللبنانية. وقد قمعت القوى الأمنية التظاهرة بعنف، فسقط عشرات الجرحى، من بينهم حنين الذي استشهد متأثراً بجروحه. هنا تحرّك الرأي العام اللبناني مؤيّداً لمطلب إنشاء جامعة وطنية ومستنكراً قمع القوى الأمنية. وأعلنت في جلسة مجلس النواب في 6/2/1951 مواقف داعمة لمطالب الطلاب، وتلي سؤال من النائب كمال جنبلاط حول انشاء جامعة وطنية على غرار البلدان العربية. فردّ رئيس الحكومة بأن مجلس الوزراء قرّر في جلسة 5/2/1951 انشاء جامعة على أن تباشر عملها مع بدء السنة الدراسية القادمة (محاضر مجلس النواب ــــ محضر جلسة 6 شباط 1951).
في 13/2/1951، عقد مجلس النواب جلسة تشريعية لمناقشة مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 4181 تاريخ 12/2/1951 والمتعلق بفتح اعتماد اضافي في موازنة التربية الوطنية، خصّص منه مبلغ 300 ألف ليرة لإنشاء الجامعة، وتمّ إقراره بالأكثرية. وفي 6 شباط 1953، صدر المرسوم الاشتراعي رقم 25، وتضمّن في الباب الثاني منه أول نصٍّ يجيز إنشاء كليات ومعاهد للجامعة اللبنانية. وورد في المادة 11: «تنشأ باسم الجامعة اللبنانية مؤسسة للتعليم العالي تشتمل على كليات ومعاهد تنشأ وتنظم كل منها بقانون».
صدور المرسوم الاشتراعي رقم 25 لم يكن بداية الطريق السهلة لنشأة الجامعة. فقد تواصلت الإضرابات والاحتجاجات الطلابية، مقابل استمرار الحكومة في سياسة المماطلة في التنفيذ. ففي عام 1955، تجاهلت الحكومة وجود الجامعة والمرسوم الاشتراعي الذي أنشأها، وعمدت إلى الاتفاق مع جامعة القديس يوسف على تدريس الحقوق اللبنانية، فأصدرت المرسوم رقم 9801 تاريخ 7/7/1955 الرامي إلى إنشاء فرع لتدريس الحقوق اللبنانية في كلية الحقوق في بيروت، ثمّ صدر المرسوم رقم 18655 تاريخ 12/2/1958 الرامي إلى اعتبار كلية الحقوق جزءا من الجامعة اللبنانية ومرتبطة بوزارة التربية بكل ما له علاقة بتدريس الحقوق اللبنانية، بحيث تمنح هذه الكلية رسمياً شهادة الليسانس في الحقوق اللبنانية. وأدى إنشاء فرع الحقوق اللبنانية في جامعة القديس يوسف إلى أزمة عاصفة، لم تنجلِ إلا بإنشاء كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية بموجب المرسوم رقم 476 تاريخ 24 كانون الثاني 1959.
بعد تولي الرئيس فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية، أصدر المرسوم رقم 2883/1959 الرامي إلى تنظيم الجامعة اللبنانية، وكان هذا أول نصٍ تنظيمي للجامعة، معلناً رسمياً انطلاقتها وتكريسها مؤسسة عاملة من بين مؤسسات الدولة. واستمرّ العمل بالمرسوم إلى حين صدور قانون الجامعة اللبنانية رقم 75/1967 المرعي الإجراء حتى تاريخه.
وإذا كان الفضل بإنشاء الجامعة يعود للحركة الطلابية، فإن الشجاعة بمواجهة الفئة المتآمرة كانت للرئيس شهاب الذي أقرّ تنظيم الجامعة بموجب مرسوم تنظيمي من دون الرجوع إلى مجلس النواب. كما كان الفضل تالياً للرئيس شارل الحلو الذي أصدر قانون إعادة تنظيم الجامعة 75/67 الذي أقره مجلس النواب في 25/4/1967 من دون مناقشة استجابة لاقتراح موقع من ثمانية نواب يرمي إلى التصديق على المشروع بمادة وحيدة. وكان إقرار القانون بمادة وحيدة دليلاً على أن الجامعة أخذت موقعيتها المتميزة ونالت اعترافاً رسمياً من كافة المراجع الدستورية، وقد ورد في الأسباب الموجبة لهذا القانون أن الغاية منه: إحاطة الجامعة بهالة من الحصانة والحرمة يقتضيها جو الجامعة ورسالتها، اعطاء الجامعة الامكانيات لاستجابة حاجات البلاد الوظائفية، وايجاد النصوص اللازمة ليأتي تطورها المستمر في إطار قانوني متناسق.
أدخلت على قانون تنظيم الجامعة تعديلات أبرزها بموجب قانون تنظيم المجالس الأكاديمية رقم 66 تاريخ 4/3/2009 الذي أعدت مسودته الأولى رابطة أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية واستمر النقاش به سنوات طويلة إلى أن أبصر النور في العام 2009. وفي جلسة مناقشة هذا القانون اقترح النائب بطرس حرب التصويت على القانون بمادة وحيدة شرط ان تنشر الأعمال التحضيرية والمناقشات التي جرت في اللجان كمواد لتنوير رجال القانون في ما بعد. وتمت الموافقة على هذا الاقتراح فصدّق القانون بمادة من دون مناقشته في الهيئة العامة (محضر الجلسة 2 تاريخ 19/2/2009). ويعدّ هذا القانون بمثابة قانون الإدارة الذاتية الجماعية للجامعة، أي خلافاً لكلّ إدارات الدولة فإن الجامعة هي التي تتولى انتخاب أو تعيين جهازها الإداري (باستثناء الرئيس والعمداء).
وما يميّز الجامعة أيضاً أن المشترع منح مجلس الجامعة سلطة التقرير، ومنح الوحدات والفروع والأقسام الجامعية سلطة الاقتراح والتحضير، وحتى بالنسبة لتعيين رئيس الجامعة وعمداء الوحدات، فإن المشترع قيّد مجلس الوزراء بالاختيار من بين الأسماء المرفوعة من مجلس الوحدة ومجلس الجامعة. وهذه المجالس تتحقق من توافر الشروط العلمية في المرشح لا سيما حيازته رتبة أستاذ ينالها المرشح بعد درس ملفه من لجنة اختصاصيين ثمّ موافقة مجلس الوحدة، وأخيراً يصدر القرار عن مجلس الجامعة. وأن التشكيك بحيازة مرشح للشهادة العملية هو فعلياً تشكيك بعمل لجان الاختصاص ومجلس الوحدة ومجلس الجامعة.
كما تتميز الجامعة بأنها تؤدي التعليم العالي الرسمي وأنها بحسب القانون 285 تاريخ 30/4/2014 لا تخضع لموجب الاعتماد، ولا لكل المعايير التي تطلب هيئة وطنية لضمان الجودة توافرها لضمان الجودة في التعليم العالي. ورغم ذلك، قررت الجامعة اللبنانية القيام بذلك طواعية إثباتاً لجودة التعليم لديها وتطابقه مع مناهج التعليم المعتمدة.
هذه الجامعة التي أدت على مرّ السنين الدور المميز في خدمة الطالب اللبناني، تتعرَّض منذ عام 2014 لحملة ممنهجة ومسيئة لها. وللأسف فإن رسميين كانوا شركاء في الحملة. وبدا واضحاً محاولة إحياء النهج القديم بإعادة المجد للتعليم العالي الخاص وتشويه صورة الجامعة.
وإذا كان من المسلّم به أن للجميع الحق بإبداء الرأي الذي يدخل ضمن الحقوق المكفولة دستورياً، فإن هذه الحرية كأي حرية أخرى تبقى مقيدة بقيود وضوابط لا يعود لأحد أن يتجاوزها، تطبيقاً لقاعدتين أساسيتين، هما قاعدة عدم التعسف في استعمال الحق، وعدم مخالفة القواعد القانونية المرعية. ومن خرج من نطاق الحرية ودخل في الفرّية واختلاق الوقائع فإنه أخرج نفسه وبفعله من دائرة الحماية الدستورية، ولا يمكن للجامعة ولا لطلابها ولا للقضاء أن يسمح بالإساءة والتعرض للكرامات وتشويه السمعة وضرب المعنويات، بحجة حرية الرأي، فهذه ليست حرية.
الجامعة التي أنشأها نضال الطلاب لن يدافع عنها إلا طلابها، فهم أصحاب المصلحة باستمرارها، ومن هنا أوجه الدعوة إلى طلاب الجامعة اللبنانية من أجل الضغط لانتخاب الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية للدفاع عن الجامعة في وجه كل من يحاول الإساءة لها.
* أستاذ جامعي