مرة جديدة، تحاول بعض القوى المدنية مناقشة «الحراك المدني» في لبنان وتقويمه. وفي إطار الورقة القيّمة التي يقدمها اليوم للمناقشة الباحث غسان صليبي تحت عنوان «الانشغالات السياسية للحراك المدني واغترابه»، ضمن ورشة الحوار التي ينظّمها «المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين» و«شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية»، نسجل بعض الملاحظات، علّها تساهم في النقاشات التي تفتحها هذه الورقة الجريئة على أكثر من مستوى.

تتركز ورقة صليبي التي يعرضها اليوم حول تجربتَي الحراك الاجتماعي من أجل النفايات والضرائب. وقد اختارهما نظراً إلى ما رافقهما من تعبئة شعبية ولكونهما قد انبثقت عنهما مجموعات شاركت في الانتخابات النيابية باسم «المجتمع المدني».
صحيح أن هدف الورقة لم يكن التدقيق في ما إذا كان الحراك قد رشح فعلاً من يمثله للانتخابات النيابية، إلا أن ما حصل يدعو الى وضع علامات استفهام كبيرة حول هذا الجانب، ويمكن أن يشرح أحد أهم أسباب إخفاقات هذه القوى المجتمعية (بالاسم)، قد نعود إليها لاحقاً.
تهدف الورقة بشكل جوهري إلى الإضاءة على إشكاليات وجواز تحميل الحركات المطلبية حمولات أيديولوجية وسياسية. وهو لذلك يفرّق بين عمل «مجموعات الضغط» وما يسمى «المعارضة السياسية»، وبين من يريد أن يحقق مطالب محددة مع الحكومة (من دون أن يعرف كيف يفاوضها) وبين من يريد أن يغير النظام والحكومة (من دون أن يعرف كيف يغيرها).
إلا أن المشكلة المسكوت عنها في ما يسمى خطاب «المجتمع المدني»، هي في البداية في عدم التوافق على معنى هذا المفهوم، والتهرب من الأفكار والتعريفات التي تقول بعدم وجوده فعلاً، وبأنه فكرة يفترض النضال من أجل تحققها، تماماً كما فكرة «الدولة المدنية». وقد لا يكون هناك مصلحة عند ناشطي المجتمع المدني في نقاش ماهيته، ولا سيما فكرة كونه بالتعريف والماهية غير عسكري (لا يؤيد وصول العسكر الى الحكم السياسي بأي شكل من الأشكال ولا يرضى بأن تشكل موازنة «الأمن» أكثر من ثلث الموازنة العامة على حساب قضايا التنمية) وغير ديني (ينادي بأن تكون القوانين مدنية بكل أشكالها وأحوالها ولا سيما الشخصية منها، يمكن مناقشتها وتغييرها لمصلحة المجتمع بأي وقت) ويقف في الوسط بين القطاع الرسمي والقطاع الخاص… بالإضافة الى مقوّمات إضافية تتعلق بالاستقلالية واحترام الحريات والحقوق للأجيال والمجتمعات القادمة أيضاً.
كذلك يسكت الخطاب المدني عن التدقيق في هويّة العاملين وفعاليّتهم تحت شعار «المجتمع المدني» والآتين من الجمعيات الصغيرة المحددة في عدد الأفراد والأدوار والأهداف والاختصاص، والتي طالما أحبّت اللعب في لعبِها الخاصة وأمام منزلها ولم تجد مصلحة في الدخول في ملعب أكبر إلا بعد كوارث، وبعد أن تلمس أنها تضرّ بألعابها الصغيرة. أما الإشكالية الأخطر المرتبطة بها مباشرة، فهي في طرق تمويل هذه الجمعيات والخضوع لأجندات المموّل، سواء كان تمويلاً خارجياً يهدف الى تسويق أفكار أو سلع أو تقنيات (قد لا تخدم فكرة المجتمع والدولة المدنية ولا تهتم لمفاهيم وقيم مثل العدالة الاجتماعية والبيئية الشاملة)، أو تمويلاً داخلياً من شركات تتنافس للاستحواذ على الأعمال والمشاريع والالتزامات. وقد وقع بعض قوى المجتمع المدني في شراكها، عندما موّلت شركات حملات لمحاربة شركات أخرى منافسة عبر تسويد سمعتها. وكانت النتيجة انتقال القطاع من سيئ الى أسوأ! ولعل هذه الخصخصة في الجمعيات والمواضيع، التي استفاد منها الأفراد للتمويل والبقاء، هي نفسها التي حالت دون أن يكون هناك اتفاق على مشاريع فكرية وسياسية أشمل وأعمق وعلى أطر سياسية جامعة وبرامج موحدة، قبل الانتخابات وفي مناسبتها. وقد ضاع الرأي العام مع من يدّعي تمثيل «المجتمع المدني»، هل هو مطلبي أم تغييري؟ إصلاحي أم ثوري؟ سياسي أم غير سياسي؟ فردي أم جماعي؟ نخبوي أم شعبوي؟ انفتاحي أم احتكاري؟ منظّم أم انتقائي أم عشوائي؟ يعمل على برنامج أم على القطعة…؟ وإلى أي مدى هو مستقل عن السلطات والقطاع الخاص؟! حتى بات السؤال الأشمل: كيف يمكن لجمعيات فردية في طبيعتها وفي حالة اغتراب عن المجتمعات أن تمثلها؟
ففي الحركات المطلبية (غير السياسية التي لا تهدف الى تغيير النظام) يفترض أن يكون هناك مطالب محددة وأن تكون مستعدة للتفاوض مع السلطة طالما أنها لا تطالب بتغييرها. وهنا يعود السؤال أيضاً، حول مسألة أوهام التفاوض، التي تعيدنا الى النقطة الصفر. ضعف القوة التمثيلية للمفاوض من الجمعيات مقابل نواب في البرلمان أو وزراء في الحكومة يمثلون تيارات سياسية كبيرة! فلا هي عرفت أن تكون مبدئية، يمكن تفهّم إهمالها لشعبيتها، ولا عرفت أن تكون شعبوية على طريقة التيارات السياسية الكبرى، ما زادها اغتراباً عن نفسها وعن المجتمعات التي تحاول ادعاء تمثيلها؟
انطلاقاً من ذلك، ألا يفترض تكثيف العمل الفكري والنظري لإعادة إنتاج المفاهيم وتهذيبها وتطويرها وتثويرها لتتماشى مع تحديات المرحلة... بعد القيام بمراجعة شاملة للتجربة السابقة؟