بابتسامة ود يلقي التحية عليك، يعرف عن نفسه باسم «نمر»، يطلب منك الجلوس وبحركة سريعة يضع كوب «النسكافيه» الذي كان يحتسيه جانباً ويتناول القلم والورقة ويبدأ بالشرح: «لنعتبر بدك تفتح بزنس لإلك، شو الإشيا يلي بتحتاج الها لتبلّش؟». تجيبه: «رأسمال، محل، بضاعة...». يبتسم مرّة أخرى، يهز برأسه موافقاً، «شركتنا تفتح لك بزنس على الإنترنت، ويكون رأسمالها مبلغ من المال تدفعه مقابل منتج تشتريه من شركتنا، ومهمتك أن تقنع الآخرين بشراء منتجاتنا مقابل كومسيون على كل مجموعة تستطيع إقناعها».


تشعر بأنك لم تفهم الفكرة جيداً، يطمئنك إلى أنه سيشرح كل التفاصيل: «بس صدّقني إجتك فرصة ما بتحلم فيها بحياتك، أنا شخصياً تركت الجامعة وتفرّغت لهيدا الشغل، وهلأ مدخولي على القليلة 10 آلاف دولار بالشهر. وفي عالم وصلوا لل100 ألف». اسمع جيداً، «كم مرّة أقنعت أصدقاءك بأن يشتروا منتجا معينا أو نصحتهم بأن يقصدوا مطعما معيّنا أو متجرا معيّنا؟». يشرح أن «في هذه الحالة أنت قمت بدعاية مجانيّة دون مقابل مادي لما فعلته. هذا هو المبدأ الأساسي لشركتنا «كيو نت»، نحن نعتمد على «الدعاية الكلامية»، فعوضاً عن صرف أموالنا على الإعلانات التجارية نتكل على الناس كمصدر دعائي لنا، ونتبع أسلوبا حديثا يسمّى التسويق الشبكي».

تسويق شبكي أم تسويق هرمي؟

شركة «كيو نت» هي واحدة من شركات التسويق الهرمي، الممنوع قانونياً في الكثير من دول العالم، التي تتلطى خلف ستار التسويق الشبكي، المشرع قانونياً، للتحايل على القوانين والحفاظ على سمعتها عالمياً. مقرها الأساسي في هونغ كونغ، وتبيع منتجات متنوعة كمنتجات الطاقة والساعات والمجوهرات وباقات العطل السياحية.
اقتبست نهج التسويق الهرمي، عن مؤسسه الأميركي، كارل روهينبرغ، الذي حصد 4.7 مليارات دولار من بيع المنتجات الغذائية قبل أن تمنعه الولايات المتحدة الأميركية، وتضع قوانين تجرّم التعامل بهذا النهج الذي عدته مدمرا للاقتصاد.
تجري العملية كالتالي، تشتري منتجا من منتجات الشركة، أرخصها «Chi Pendant»، وهي قلادة تعزز الطاقة في الجسد كما تدعي «كيو نت»، وسعرها 750 دولارا، طبعاً هنا ليس هدفك السلعة بحد ذاتها، التي قد لا يعادل سعرها الحقيقي 10 دولارات، وقد لا تستعملها أصلاً، بل هدفك أن تصبح عميلاً للشركة. فشراء سلعة يخولك أن تصبح «ممثلاً مستقلاً»، كما تسميك «كيو نت»، يمكنه أن «يسمسر» لمنتجات الشركة.
هنا يبدأ الربح، تتقاضى عمولة على من تستطيع إقناعه بأن يشتري سلعة وينضم إلى فريقك الذي عليه أن يتكون في البداية من شخصين، واحد إلى يسارك، وآخر إلى يمينك، فتتقاضى 50 دولارا عن الشخصين، وهما بدورهما يكرران العملية نفسها، بإقناع أشخاص آخرين، فيما تتقاضى أنت حصة من المال عن الآخرين الذين جلبهم أعضاء فريقك. أنت هنا على رأس الهرم، الذي يترتب بشكل شجرة ثنائية، وتحصل على نسبة من المال عن كل شخص أدنى منك في الترتيب الهرمي. عندما ينضوي 6 أشخاص إلى الهرم، يصبح ربحك 250 دولارا، لكنك لن تحصل على المبلغ إلاّ إذا كانوا 3 إلى اليمين و 3 إلى اليسار. ومع كل 6 أشخاص ينضمون تكسب 250 دولارا.

أريد أن أكون مليونيراً مثل فيجاي

إلى الآن تبدو الفكرة جذّابة. ويزيدها جاذبية الحديث عن الملياردير فيجاي اسواران، القدوة الأعلى لكل شخص يريد أن ينضم إلى فريق العمل في الشركة. تلتمع عينا «نمر» عند ذكر اسمه، كيف لا والرجل المثابر الحالم، بدأ برأسمال مدفوع 10 ملايين دولار، وبعد 8 سنوات وصل رأس مال شركته إلى مليار دولار، أي معدل أرباح خيالية لا يمكن أن تحققها أكبر الشركات في العالم.
يقول فيجاي في مقدمة كتابه «عالم السكون» إن «عالم السكون يساعدنا على التواصل مع الخالق الذي هو بداخلنا، إنها ليست صلاة فحسب، بل تقرب من الخالق، واعتراف بأن لا شيء في هذا الوجود يمكن أن يتحرك دون مشيئته». ويضيف «الواجب والمعرفة والعبادة، تلك العوامل الثلاثة مجتمعة هي التي تجعل من عالم السكون الأداة الوحيدة والأكثر قوة التي تساعدك على النجاح في العمل والحياة»، لكن طبعاً الواجب والمعرفة والعبادة لم تكن طريق فيجاي إلى تحقيق تلك الثروة، بل بيع الفقراء أحلاماً بحياة رغيدة عبر طريقة «نصب» ذكية ومحترفة.
يروي محمد تجربته مع الشركة: «عملت ليلاً نهاراً من أجل إقناع الناس بالانضمام إلينا وشراء المنتج، ولم أستطع إقناع سوى شخصين، وهذان الشخصان أقنعا شخصاً آخر فقط، إذاً كسبت 50 دولارا بعدما دفعت 750 دولارا في البداية. كحصيلة نهائية خسرت 700 دولار وساعات من وقتي، و«حرق أعصاب»، وتراجعت دراسياً في الجامعة».
هذه حالة معظم من يدخل الشركة، يخسرون أموالهم لمصلحة أقلية قليلة جدا، هي وحدها تستطيع أن تدخل في مرحلة الربح الصافي بالحصول كل مرّة على ستة أشخاص مقتنعين بالدخول إلى فريقهم. أما الـ250 دولارا التي كسبوها مقابل الستة أشخاص، فأقل من قيمة التعب والجهد اللذين بذلوهما من أجل ذلك. ومعظم هذه الأقلية متفرغة لهذا العمل، ولا يتجاوز ما تتقاضاه الـ2000 دولار شهرياً. فهم مثلهم مثل أي موظف براتب شهري، يعملون ليلاً نهاراً في عمل خالٍ من الإنتاج الحقيقي والخبرة والتطور. أما الربح الحقيقي، فيعود كله «إلى القدوة» فيجاي، وهذا ما يفسّر الأرباح الخيالية التي استطاع تحقيقها في وقت قصير.

هل هناك من يبلغ الدولة؟

بعدما اتهمت إيران شركة «كيو نت» بالتسبب بخروج أكثر من نصف مليار دولار خارج حدودها، ضمن أكبر عملية نصب جماعي حصلت في تاريخها، وبعدما تسبب نظام التسويق الهرمي فى انهيار الاقتصاد الألبانى بخسارة ثلثي الشعب الالبانى 1.2 مليار دولار نتيجة التعامل بهذا النظام، وبعدما مُنع في سوريا، وأُلقي القبض على أعضائه، ومنعه أيضاً في السعودية، السودان، الجزائر، الأردن، الكويت، تركيا، الهند، نيبال، إندونيسيا، أفغانستان وكثير من دول العالم الثالث الأخرى، حيث البطالة والفقر يدفعان الشباب إلى الحلم بالربح السريع الذي ينتشلهم من أوضاعهم المزرية، لا تزال هذه الشركات تجد ملاذاً آمناً لها في لبنان دون أي مراقبة. تقول الشركة إن 48% من مبيعاتها عام 2013 هي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن الطبيعي، بعدما منعت أساساً في معظم دول العالم المتقدم، أن تتركز نصف مبيعاتها في منطقتنا، حيث يمكنها أن تسرح وتمرح على راحتها في ظل معدّلات بطالة هي الاعلى بين مناطق العالم، ولا سيما بين الشباب، اذ تشير التقديرات الى ان شابا فقط من كل 4 شبان لديه وظيفة.
يقول نمر بتفاخر إن أعداد اللبنانيين المشتركين في «كيو نت» يبلغ ألفي لبناني/ة، وهذا يجعلني أرغب في الربح الوفير (بحسب ما يزعم) إن اشتركت معهم وكونت فريقا في البقاع، لأن الشركة ليس لها وجود هناك، وكوني من البقاع سأسهل دخولهم إليه. هذا يعني أن الشركة تطمح إلى مد نفوذها داخل المناطق، والعدد إلى ازدياد.
لنفترض أن ما يدعيه نمر صحيح، فلو احتسبنا مجموع الأموال التي أنفقها اللبنانيون في هذه الشركة، لوصلنا الى مبالغ كبيرة يجري الاستيلاء عليها من الشباب الراغبين في ايجاد فرص العمل. وفي هذه اللحظات، لو ذهبنا إلى المقاهي الموجودة داخل المركز التجاري «سيتي سنتر»، لوجدنا مجموعات العاملين في «كيو نت» يقيمون حلقات إقناع للشباب والمراهقين بالانضمام إليهم.
فهل تملك هذه الشركة سجلاً تجارياً؟ وهل تخضع لأي مراقبة؟ وهل تملك الدولة الأرقام الحقيقية التي يخسرها الاقتصاد اللبناني من هذا النظام؟ وهل تدفع هذه الشركة الضرائب والرسوم للدولة اللبنانية؟ أسئلة برسم الجهات المعنية.
تجدر الإشارة إلى أن هناك شركات أخرى تعمل بنظام التسويق الهرمي داخل لبنان، منها «herbal life» و«Amway»، فبإضافة أرباح هذه الشركات في لبنان ستكون خسارة الاقتصاد اللبناني أكبر بكثير من المتوقع.

حتى أهلي وإخوتي تحولوا إلى زبائن

لا تنحصر مضار نظام التسويق الهرمي في هذه الجوانب فقط، اذ هناك أيضاً المضار النفسية والاجتماعية. يصف أيمن حالة من ينخرط في هذا النظام بتغيّر مفهومه للعلاقات الإنسانية، فتصبح كلها علاقات مصلحة قائمة على البيع والشراء، «حتى أهلي وإخوتي أصبحوا بنظري زبائن أريد إقناعهم بالدخول إلى هذا النظام». ويروي أن أحد أصدقائه المقربين اتهمه بالنصب، وأراد استرجاع المال الذي دفعه «لم يكن من الممكن أن أعيد إليه ماله، فهددني بالضرب، فاضطررت إلى الاستدانة لكي أعيد إليه المال على نفقتي الخاصة». باختصار، يفرض التسويق الهرمي على صاحبه أيضاً أن يحترف الكذب والخداع وكل الوسائل التي تمكّنه من إقناع الناس بالدخول في هذا النظام.