الوطن العربي، مصر. جمال عبد الناصر، الثورة، حرب 1967. صلاح جاهين ويوسف شاهين. أوبريت «الشارع لنا»، أغنية مفترق الطرق، بليغ حمدي، كمال الطويل وسيد مكاوي. فن، أحلام، انكسارات، هزائم وشباب... كل هذه العناصر تضافرت لتقدم «عودة الابن الضال» (1976)، أحد أهم إنجازات السينما المصرية ضمن قصة تحمل الكثير من الرموز والخيبات السياسية والاجتماعية.

بعد 12 عاماً من غياب علي (أحمد محرز)، بسبب ذهابه إلى المدينة لتغيير العالم، يعود الابن الأحب والمفضل عند أبناء القرية. يبثّ السعادة في قلب فاطمة (سهير المرشدي) حبيبته منذ الطفولة. ويعطي الأمل لابن أخيه إبراهيم (هشام سليم)، الذي ينوي الرحيل. يرجع علي إلى منطقته، فيجد أخاه طلبة (شكري سرحان) وقد سيطر على زمام السلطة في العائلة. يدير الأخير، المصنع التابع لهم. إلا أنه فور مجيئه، يعود الأمل إلى نفوس العمّال، الذين يعانون من بطش وتسلط طلبة. وبالفعل 12 عاماً، ثلاثة منها في السجن غيرت أفكار وأحلام وطموحات «عودة الابن الضال».
فيلمٌ متعدد الأوجه والرسائل. مأساة يونانية، دراما موسيقية، جداريات اجتماعية. ولكن لا شك في أنه فيلم يحمل تناقضات الكاتب جاهين والمخرج شاهين بين التشاؤم والتفاؤل في آن. نشعر في الفيلم بدموع صلاح جاهين وخيبته وانكساره من المشروع الناصري. هجاء كبير لانكسار الحلم مع استمرار الأمل بمصر «الولّادة». يروي صاحب «حدوتة مصرية» قصة عائلة الشاب علي، التي تنفجر بسبب العديد من الإخفاقات وتراكم الحقد. قصة تجسد بدورها واقع عالمنا العربي، خصوصاً أن هذا الفيلم عُرض بعد مرور سنة على اندلاع الحرب اللبنانية. كما أنّ هناك تشابهاً بين علي، الناشط والثوري الذي تخلّى عن العناوين العريضة للمساواة، وبين حكّام البلد، الذين يدركون حجم الفساد، لكنّهم لا يريدون إصلاح هذا المجتمع. جوهر الفيلم، يكمن في صعوبة معرفة الشخص المتّهم وراء ذلك. فالشريط يحمل أوجهاً عدة والكثير من الاستعارات، بالإضافة الى مشاركة أجيال مختلفة في إيصال الأحداث. وكل جيل مقتنع برؤية خاصة عن المجتمع والسياسة.

نشعر في الفيلم بدموع صلاح جاهين وخيبته من المشروع الناصري

لذا، يقع على المشاهد القرار في تصنيف المتهم والجاني، أو حتى اعتبار العائلة سبب الخراب كأنّها صورة مصغرة عن المجتمع المصري. ما يميّز هذا العمل، إيصال الفكرة بخفة، مع اعتماد الرموز واختلاق الأساطير والمعتقدات. كل ذلك جاء ضمن رسالة سياسية عالية مدعومة بـ«موسيقى الشارع»، تسلّط الضوء على المشاكل السياسية والاجتماعية من خلال الدراما وحسية الممثلين في كل مشهد.
تبدأ الحكاية مع العائلة الكبيرة التي تترقب نهاية مريرة، وتنتهي بأحلام الشباب التي لا يحدّها شيء، ما يذكّرنا بأن هذه الأحلام يجب أن تستمرّ رغم الاضطهاد والفساد، بل لا بدّ من أن تتحقّق يوماً ما. يصل الكاتب جاهين والمخرج شاهين إلى حدّ الإبداع في هذا العمل. يُفرغ جاهين كل مشاعره وغضبه وكآبته حيال الثورة والحروب المصيرية، ويُسدل شاهين خصوصيته وأسلوبه المتميز، خاصة في «القطع الحاد للمشاهد» لنكون أمام تحفة سينمائية عالمية.