باريس | بفيلمه الجديد «بيروت» (أو «العملية بيروت»، وفقاً للعنوان الذي طُرح به الفيلم في الصالات الأوروبية)، عاد المخرج الأميركي براد أندرسون، ليرتمي بقوة في أحضان هوليوود، بعد رحلة تمرد طويلة امتدت لأكثر من عقد. صاحب «امبراطورية الظلال» كان قد شق عصا الطاعة على الاستبلشمنت الهوليوودي، عام 2004، عندما غادر الى المنفى الاختياري في إسبانيا، حيث وجد منتجين أوروبيين تحمسوا لسيناريو رائعته The machinist، مما سمح له بإنجازها من دون تقديم التنازلات التي اشترطتها منه الاستوديوهات الهوليوودية.

كان ذلك الخيار جسوراً، لكنه لم يخل من المجازفة. فقد كانت تلك الروح المتمردة مكلفة جداً، إذ لم يتمكن أندرسون بعد ذلك من إنجاز سوى ثلاثة أفلام فقط على مدى 12 سنة. لكن اسمه تكرس تدريجاً ضمن الرموز الواعدة لـ «السينما المستقلة» الأميركية، وسينما المؤلف العالمية بشكل أعم. بعد «إمبراطورية الظلال» (2010)، الذي حمل مرافعة قوية ضد السينما التجارية الهوليوودية، من خلال حادثة غرائبية يؤدي خلالها انقطاع الكهرباء في قاعة سينما في ديترويت الى اختفاء كافة المشاهدين، ليتحولوا الى مجرد ظلال تتراقص على الجدران، عاد أندرسون الى سينما التشويق، القريبة من النموذج التجاري الهوليوودي، في فيلمه «الاتصال الهاتفي» (2013). قصة موظفة في مركز لاتصالات الطوارئ تحاول إنقاذ فتاة مخطوفة من قبل سفاح شهير في لوس إنجلوس. لكنه سرعان ما استعاد الروح المتمردة والنفس الغرائبي اللذين اشتهر بهما، في فيلمه قبل الأخير «هستيريا» (2014)، الذي اقتبسه من قصة شهيرة لإدغار ألن بو، بعنوان «نظام الدكتور غودرون والبروفيسور بلوم».
كان بإمكان براد أندرسون مواصلة مساره كمخرج مقلّ يراهن على النوعية، لا يقدّم سوى فيلم واحد كل ثلاث أو أربع سنوات، لكن كل عمل جديد يحققه يضيف لبنة مميزة الى تجربته كسينمائي مستقل، بخاصة أنه على غرار عدد من أبناء هوليوود المشاكسين (الأخوين كوين، ستيفن سودربرغ…)، كانت له في موازاة أعماله المندرجة ضمن سينما المؤلف، تجارب أخرى تجارية ومربحة في مجال التأليف والإخراج التلفزيوني.
لكن صاحب «حوادث سعيدة» (2000) سلك طريقاً غير متوقع. بعد أربعة أعوام من الغياب، قرر الارتماء في أحضان الاستبلشمنت الهوليوودي بأكثر الأساليب إسفافاً وفجاجة. في جديده «بيروت»، تخلى أندرسون حتى عن تلك البصمة الفنية التي طبعت أعماله الهوليوودية الأولى («وحوش كوكب فرانكنشتاين» – 1995 Next stop Wonderland – 1998…)، التي جعلت النقاد يصنفونه باكراً في خانة الأبناء الروحيين للمعلم ديفيد لينش.
بعدما كان يحرص على تولي كتابة سيناريوهات أفلامه ومونتاج أغلبها بنفسه، اختار أندرسون التعاون في «العملية بيروت» مع أحد أبرز أقطاب سينما الأكشن الهوليوودية، وهو السيناريست توني غيلرون، الذي اشتهر من خلال سلسلة أفلام الجاسوسية «جيسون بورن». جاءت النتيجة سقطة مدوية لا تليق بسينمائي من مصاف اندرسون. منذ أول مشاهده، وقع «العملية بيروت» في مطب النمطية الاستشراقية الهوليوودية في صورها الأكثر فجاجة: شاطئ يُفترض أنه في بيروت، لكن أي مشاهد زار العالم العربي، ولو لمرة واحدة، يدرك منذ الوهلة الأولى أنه في المغرب! وسط كثبان الرمال الذهبية، تبرز فجأة دبابة عسكرية تشق طريقها وسط الشمسيات الشاطئية الملونة، فيما نشاهد في الخلفية سرباً من الإبل التي تدب على مهل. أهلاً بكم في تلافيف المخيلة الهوليوودية المريضة! القصة المركزية للفيلم عبارة عن ميلودراما عائلية فاقعة: ميسون سكايلز، ديبلوماسي أميركي محب للعرب (النجم الأميركي جون هام)، في بيروت ما قبل الحرب الأهلية (1972)، يستعد برفقته زوجته الفرنسية ذات الأصل العربي ناديا (النجمة الفرنسية ليلى بختي)، لتبني الطفل اليتيم كريم، لإنقاذه من أتون مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.

شخوص نمطية تصور الفدائيين الفلسطينيين إما إرهابيين أو فاسدين


لكنهما يفاجآن بأن كريم ليس يتيماً، بل له شقيق أكبر «إرهابي» (فدائي) ينظّم هجوماً مسلحاً على إقامتهما الدبلوماسية، لاسترجاع شقيقه، فتُقتل الزوجة ناديا برصاصة طائشة أثناء تبادل إطلاق النار.
يقفز بِنَا الفيلم، بعد ذلك، عقداً كاملاً، الى بيروت ما قبل الاجتياح الاسرائيلي، في صيف 1982. يعود ميسون سكايلز الى بيروت، بطلب من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لإنقاذ زميله القديم كل رايلي (النجم مارك بليغرينو) المخطوف من قبل «إرهابيين». وإذا به يكتشف أنّ كبير هؤلاء «الإرهابيين» ليس سوى الطفل كريم الذي كان يعتزم تبنيه!
على هامش هذه القصة ذات المنحى الميلودرامي، يمعن الفيلم في ممارسة الدسّ الدعائي الهوليوودي، من خلال مجموعة من الشخوص النمطية التي تصور الفدائيين الفلسطينيين إما كإرهابيين متعطشين للدماء أو كأشخاص فاسدين، مستعدين لبيع قضيتهم الوطنية من أجل المكسب المالي! حتى هنا، قد يبدو الأمر عادياً، ولا يتعدى ما هو معتاد في أفلام الدعاية الهوليوودية. لكن «العملية بيروت» لم يكتف بالبروباغندا، بل وقع في منزلق التحريفية!
لم يتردد براد أندرسون وشريكه في كتابة السيناريو، توني غيلرون، في تزوير وقائع التاريخ: يزعم الفيلم بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في بيروت عملت جاهدة، على مدى أشهر، لمنع أي تدخل اسرائيلي في لبنان، وأن «الاجتياح» لم يقع سوى بعد مقتل مسؤول الـ «سي. أي. إيه» في بيروت، روبرت إيمس، وسبعة من رفاقه «الجواسيس الطيبين» في التفجير الذي دمّر مبنى السفارة الأميركية في بيروت!
الجميع يعلم، بالطبع، أن التفجير الذي استهدف السفارة الأميركية وقع في 18 نيسان (أبريل) 1983، أي بعد قرابة سنة من الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في حزيران (يونيو) 1982. الجميع يعرف أيضاً أن لي أعناق الحقائق التاريخية تقليد راسخ في أفلام البروباغندا الهوليودية. لكن، هل كان جديراً بمخرج من مصاف براد أندرسون أن يضحي بروحه المتمردة على مذبح السينما التحريفية!؟

* «بيروت»: بدءاً من منتصف تموز (يوليو) في الصالات اللبنانية