لم تبن الدراما السورية أمجادها إلا من خلال أعمال واقعية، وملاحم تاريخية منفَّذة بطريقة متقنة، وإعادة إنتاج التاريخ السوري القديم والمعاصر، وتبنّي قضايا العرب المصيرية، وصناعة أعمال اجتماعية معاصرة تفند إشكاليات المجتمع السوري وتطرح مشاكله بجرأة عالية. لكن يبدو أنّ مفهوم المسلسل التلفزيوني بدأ يتغيّر في ما يتعلق بالمواضيع المطروحة، إذ راح يبتعد عن هموم المجتمع.


سبق لكبار نجوم الدراما السورية أن توقعوا في أحاديث سابقة مع «الأخبار» أن تتوجه الدراما العربية في المستقبل القريب إلى محاكاة المسلسلات المدبلجة والتركيز على القضايا الشخصية في محاولات لاستنساخ أعمال تركية ومكسيكية وتسخير الخبرات لإنجاز هذه الأعمال. وربما لم يعد مرغوباً أن يشاهد العالم العربي مسلسلات مثل «التغريبة الفلسطينية» و«ثلاثية الأندلس» أو «أحلام كبيرة» أو «صلاح الدين»، بل سيكون على موعد مع أعمال تسلّط الضوء بطريقة جديدة على صراع رجال الأعمال وقصص حب وتفاصيل لا تمت لقضايا العرب الأساسية بصلة، بعيداً عن الزلازل التي تضرب المنطقة. لكن هذه المعادلة قد تحقق شرط التسويق الجيد وتحدّ من انتشار الدراما المدبلجة التي غزت الفضائيات وحجزت لها مكاناً واسعاً حتى في شهر رمضان الذي يعتبر موسم عرض الدراما العربية، لكن مع المحافظة على الطابع السوري والقيمة الفنية. بعد النجاح الجماهيري لمسلسل «مطلوب رجال» الذي نفذه حاتم علي لصالح mbc، كررت المحطة الخليجية التجربة ذاتها مع المنتج الراحل أديب خير الذي نفذ مسلسل «روبي» لصالح المحطة ذاتها، فإذا بالعمل الفنزويلي المعرّب يحقّق جماهيرية كبيرة ويخلق نجومية واسعة لبطلي العمل مكسيم خليل وسيرين عبد النور. هكذا، شجعت التجربة الأخيرة شركة «كلاكيت» للإنتاج الفني (إياد نجار) على إدخال الدراما السورية في تجارب المسلسلات الطويلة، وليس بالضرورة أن تستقدم نصوصاً أجنبية وتعيد صياغتها بروح سورية. يمكن لهذه الأعمال أن تنفَّذ أصلاً بطريقة الـ«سوب أوبرا» من قبل كاتب سوري لتلقي الضوء على قضايا سورية بحتة، لكنها ستصوّر بطريقة تمكّن المخرج من التقاط جمالية هذا المجتمع وتصدير صورة جذابة عنه. قد تخلق هذه المشاريع جماهيرية تتفوق على المسلسلات المدبلجة، خصوصاً أنّ الأخيرة لم تنجح إلا بعدما اعتمدت على اللهجة السورية.
في هذا السياق، سبق لشركة «كلاكيت» إنتاج مسلسل «تخت شرقي» ليم مشهدي ورشا شربتجي، وهو تجربة تصورّ يوميات أبطال الحكاية من دون حبكة يمكنها أن تنتهي عند ثلاثين حلقة. لكن كاتبته آثرت أن يكون مسلسلها تجربة تمهد لتجارب مسلسلات طويلة في أعمال أخرى. وبالفعل فقد شارفت السيناريست السورية على الانتهاء من كتابة مسلسل بعنوان «مسلسل تركي طويل» الذي تستعد «كلاكيت» لإنجازه هذا العام في بيروت، بينما تعمل الشركة بالتعاون مع السيناريست الشاب محمد أبو اللبن على مسلسل أميركي سبق إنتاجه في أكثر من نسخة إلى أن اشترت الشركة السورية أخيراً حقوق تحويله إلى مسلسل سوري سيتولى إخراجه رامي حنا وسينطلق تصويره بعد مدة قصيرة في بيروت أيضاً، لتكون الأولوية لهذا العمل. يؤكد مصدر مطلع من داخل «كلاكيت» في تصريحه لـ«الأخبار» بأن الشركة تحاول إيجاد صيغة متوازنة تجمع بين ذوق الجمهور والقيمة الفنية المطلوبة، مع التركيز على إبعاد الأعمال المدبلجة التي أخذت نصيباً كبيراً من المشهد الفضائي من دون أن تستحق ذلك. ويضيف المصدر: «الأزمة السورية خلّفت تداعيات كبيرة على صناعة الدراما. ومع ذلك، فإن الشركة تتمسك بإنتاج أعمال سورية معاصرة، وتعمل على إنجاز الجزء الجديد من «الولادة من الخاصرة» للسيناريست سامر رضوان والمخرجة رشا شربتجي. كذلك، فهي تنجز حالياً مسلسل «سنعود بعد قليل» للممثل والكاتب رافي وهبي والمخرج الليث حجو وهو عمل اجتماعي مهم يعيد تقديم النجم دريد لحام بشكل اجتماعي بعيداً عن الكوميديا التي برع فيها». ويجسد لحام دور أب لستة أولاد يتابع مصائرهم بشكل دائم. مع ذلك، لا بد من البحث عن بدائل مناسبة في هذا الوقت العصيب. لذا فإن الأعمال الطويلة تخول التصوير في دول عدة، وتقدم فرصاً إضافية للممثلين والفنيين السوريين الذين سينالون حصة الأسد من كافة أعمال الشركة.
إذاً صيغة جديدة تقترحها إحدى الشركات الأكثر نشاطاً في الدراما السورية، لكن إلى أي حد يمكن أن تحقق النتائج قبولاً جماهيرياً من دون التضحية بالقيمة الفنية؟ وإلى أي مدى ستساعد تلك الأعمال على خلق فرص إضافية للكوادر السورية المهددة بالبطالة وزحف الأعمال المدبلجة. أسئلة برهن المستقبل.




رحلة الحياة والموت

بعدما رجّحت مصادر أن تقتصر «سامة» على عمليات الدوبلاج بعد رحيل صاحبها المنتج أديب خير، سرعان ما تكشفت معطيات جديدة بعد تولي زوجة الراحل ربى الخش إدارة الشركة، إضافة إلى احتمال تولي الممثل السوري جلال شموط الإدارة التنفيذية. تصرّ الإدارة الجديدة على إكمال المشاريع التي كان خير قد باشرها وأولها مسلسل «رحلة الحياة والموت». ويتألّف العمل من ثلاثين حلقة تكتب نصه السيناريست السورية ريم حنا ليخرجه الليث حجو على أن يلعب بطولته كل من النجم السوري عابد فهد، وسيرين عبد النور. وكان يُفترض أن يعقد مؤتمر نهاية الشهر الفائت لوضع أهل الإعلام في صورة المسلسل، لكن المؤتمر تأجل وسيعقد في الأيام المقبلة.