قد تقارب كلفة الإنتاجات في رمضان الحالي سابقتها، لكن العلامة الفارقة تكمن في «النضوج». وكما يتطلب جسم الإنسان الوصول إلى عمر الثلاثين لبلوغ النضوج البيولوجي، تتطلّب صناعة الدراما والسينما وجود الشيب في رؤوس الكتّاب والمخرجين، كدلالة عن «الخضرمة».

«الكاتب» مسلسل من تأليف ريم حنا وإخراج شقيقها رامي وإنتاج شركة «إيغل فيلمز». العمل من بطولة السوري باسل الخياط، يعرض قصة كاتب روايات بوليسية يُتّهم بقتل عشيقته «تمارا». ولطالما كانت المسلسلات العالمية تعرض «حالات» خاصة من حياتنا، لا قصصاً روتينية. هنا، يبدأ النضوج من كتابة مسلسل نوعي غير شامل، محدد وغير عام، عن حالة فريدة غير متداولة وجديدة بالنسبة للبنان وسوريا، انطلاقاً من اختيار الموضوع.
صفة الوعي نادرة في الإخراج، ومن الواضح أنّ رامي كان واعياً لما يريد إظهاره، ولما يريد إخفاءه. فصناعة الدراما هي عن الأحداث الظاهرة في الكادر وتلك الغائبة عنه. والأصعب من إظهار الأحداث، إخفاء أخرى تُشعل الحماسة لدى المشاهد. فنحن لم نكن نعرف أين كان الكاتب «يونس جبران» عند الساعة العاشرة مساءً عند ارتكاب الجريمة، إلا أنّه عندما تلاعب حنّا بجدول المسلسل الزمني، استغل مفهوم الوقت لبثّ مزيد من الحماسة. مثلاً، نرى لاحقاً «فلاش باك» لمكان وجود الكاتب في هذا التوقيت، من دون أن تثبت براءته طبعاً، بل زاد الشك وتم الإيحاء بأنّه ربّما اتفق مع أحد لقتل «تمارا».
يتابع النضوج عند رامي حنّا عندما نرى تعقيداً في جدول المسلسل الزمني، وفي ترابط الشخصيات، إلى جانب انعكاس الواقع بفوضويّته على الشاشة. لقد نضج الجمهور أيضاً، ولم يعد يتقبّل القصص السطحية والسهلة.
أمّا باسل خيّاط، فهو اليوم إنسان جديد، وشخصية جديدة، وصوت جديد. يليق بـ «يونس»، تطوير مخيف لشخصية عمل عليه باسل. تحكُّم بعضلات كتفيه ويديه ووجهه، كأنّه محا الذاكرة الفيزيائية في جسده، واستبدلها بأخرى جديدة بناها بتأنٍّ، تفرض عليه وجود إنسان جديد. يتعيّن على الممثل تقديم أداء يليق بالشخصية؛ وعي وذكريات وإدراك جديد، تقدّم جميعها في كل المشاهد أداءً متوازناً، أي أن الشخصية باختصار لم «تقع» منه ابداً.
غير أنّ الخيبة تكمن في الشعور كأنّ اللبنانية دانييلا رحمة مفروضة على المسلسل. لم نر ولو للحظة أنّها محامية. كلامها ومفرداتها ليست لمحامية، كأنّها لم تدرس الشخصية بالشكل المطلوب. لا تمشي كالمحامين، ولا تتكلّم مثلهم، ولا ترتدي ملابسهم، ولا تظهر أنّها تفكر مثلهم. نعم، الملابس والمصطلحات والتظاهر والتحرّك والكلام هي في جوهر مهمّة الممثل المحترف. أما الصحافي «رائد»، فعليه أن يكون مستفزاً، لأنّه يتوجّب على الممثل أن يكون مناسباً للدور، وليس محبّباً بالنسبة للمشاهدين.
أخيراً، قد تكون الشعرة الشائبة سوداء اللون، تبدو كأنّها في عز شبابها، فمرور الوقت ليس دائماً معياراً للنضوج… إنّها التجارب!

*«الكاتب»: 18:00 بتوقيت بيروت على «نتفليكس»، و21:30 على lbci، و17:00 على «أبو ظبي دراما»


*مخرج سينمائي