يحدث الانكماش عندما تنخفض أسعار السلع والخدمات. ووفقاً لموسوعة «Investopedia»، ينتج الانكماش عن انخفاض عرض النقود في الاقتصاد أو الائتمان أو الإنفاق الاستهلاكي. هناك عوامل عدّة تؤدّي إلى الانكماش، أبرزها وأكثرها شيوعاً، نقص الأموال المتداولة في الاقتصاد، بما يزيد من قيمة هذه الأموال ويدفع من يمتلكون المال إلى الاحتفاظ به بدلاً من إنفاقه، وهو ما يؤدّي بدوره إلى انخفاض الطلب على البضائع بشكل عام، ويدفع باتجاه خفض الأسعار لتحفيز الطلب.

قد يبدو أن انخفاض الأسعار أمر جيّد باعتبار أنه يمنح المستهلكين قوّة شرائية أكبر، إلّا أن الانخفاض العام والمستمرّ في الأسعار يمكن أن تكون له آثار سلبية على النموّ، ناتجة من انخفاض إيرادات الأعمال، وهو ما تواجهه المؤسّسات والشركات عادة عبر خفض أجور العاملين لديها، أو الإغلاق وصرف موظّفيها.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

في لبنان، ومن خلال مشروع موازنة 2019، تعد الحكومة بسياسة تقشفيّة قاسية، وبفرض ضرائب إضافية. هذه الإجراءات، برأي العديد من الاقتصاديين، ستقلّص القدرة الشرائية للمواطنين وبالتالي إنفاقهم واستهلاكهم، وهو ما سيؤثّر على الدورة الاقتصادية ككلّ، وعلى عمل باقي المؤسّسات والشركات القائمة.
يقول وزير المال الأسبق جورج قرم إن «السياسة التي تقترحها الحكومة من خلال مشروع الموازنة هي انتحارية، ويمكن لأيّ طالب اقتصاد أن يرى تبعاتها بوضوح. ففي ظلّ الانكماش الاقتصادي الحاصل يفترض بالدولة تحريك الاقتصاد عبر زيادة الاستثمارات والرواتب، لا فرض سياسات تقشّفية ستؤدّي حتماً إلى زيادة الانكماش الاقتصادي وتراجع الأعمال وصولاً إلى تراجع الإيرادات الحكومية. هذه السياسة تدلّ إلى أن القائمين على شؤون البلاد يعيشون في برج مقفل، وكذلك تبيّن عدم وجود أي رؤية تنموية وإنمائية للبلاد». وهو ما يؤيّده كبير الاقتصاديين في مجموعة «بنك بيبلوس» نسيب غبريل، مشيراً إلى أن «الإجراءات التي يقدّمها مشروع الموازنة على صعيد الإيرادات والنفقات ستزيد الانكماش الاقتصادي المستمرّ للسنة الثانية على التوالي، بحيث لم يسجّل الاقتصاد أي نموّ فعلي في العام الماضي، إذ لم تتجاوز النسبة الـ0.2%. عملياً ستؤدّي الرسوم الجمركية والضريبة على رواتب المتقاعدين وأرباح الفوائد إلى خفض تلقائي في مداخيل فئات كثيرة، في حين أن الإجراءات غير الجدّية لخفض النفقات ووقف أي إنفاق استثماري في البنية التحتية، لن تعكس أي ثقة بالأسواق وهو ما سيضرب أي إمكانية لحفز النموّ وتوسيع حجم الاقتصاد عبر تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسّطة والمغتربين على الاستثمار وإطلاق المشاريع».

أنقر على الرسم البياني لتكبيره


ما هي الآثار التي قد ترتّبها الموازنة على الاقتصاد؟
نموّ معدوم وانكماش مُحتمل

سامي عطالله
* اقتصادي، المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات

هناك تصوّران لدور الدولة، التصوّر الكلاسيكي الذي يرى أن دورها يجب أن يكون محصوراً بالأمور التنظيمية من دون التدخّل في الأسواق وآلية عملها، والتصوّر الذي يجد أن دورها أساسي لحلّ مشكلات السوق. في لبنان، نحن لا نتّبع أي تصوّر من الاثنين، بل هناك نموذج لـ«شكل دولة» رُسي بعض الحرب، قائم على إنفاق عام - لا يوجد أي تقييم لمدى فعاليته الاقتصادية - يتجاوز حجم الإيرادات العامّة ويصار إلى تغطيته بالدَّين ومراكمة هذا الدَّين والفوائد المرتبتة عليه.


انطلاقاً من هنا، يأتي مشروع موازنة عام 2019 من دون أن يقدّم أي نموذج بديل من النموذج القائم، الذي أدّى إلى الأزمة التي نعيش تبعاتها اليوم. وعلى الرغم من شدّة الأزمة، لم يتمّ تقديم أي تصوّر لشكل الدولة التي نريد، أو وضع رؤية اقتصادية أو إطار عمل مالي لدرء مخاطرها. بل كل ما يحصل هو مجرّد تأجيل للمشكلة. إذ يتبيّن من مشروع الموازنة المطروح أن النفقات انخفضت بنحو 400-500 مليون دولار، لكن ما حصل، في الواقع، هو تأجيل هذه النفقات إلى سنوات لاحقة، ومن دون أن يكون هناك أي إعادة هيكلة للإنفاق العام أو تقييم فعاليته الاقتصادية. لقد تمّ تأجيل 5% من مجمل قيمة هذه النفقات المُخفّصة إلى عام 2020، و65% منها إلى عام 2021، و17% إلى عام 2022، و13% إلى عام 2023.
لكن هذا التأجيل لن تكون دونه تبعات، إذ سيؤدّي إلى عدم تحقيق أيّ نموّ اقتصادي نظراً لغياب أيّ خطّة قطاعية وأيّ دعم للقطاعات الإنتاجية ولا سيّما الزراعة والصناعة وكذلك السياحة والتكنولوجيا، مع بوادر حصول انكماش في الاقتصاد. عملياً، تنطوي الإجراءات التي يتضمّنها مشروع موازنة عام 2019 على تأثيرات ذات طبيعية انكماشية ستطال النموّ والناتج المحلّي الإجمالي، من خلال التأثيرات التي سترتّبها على الاستهلاك والاستثمار والصادرات.
1- على صعيد الاستهلاك: ستؤدّي ضريبة الـ2% على الاستيراد إلى رفع الأسعار، في حين أن زيادة شطر جديد إلى ضريبة دخل الموظّفين وأصحاب المهن الحرّة، وفرض ضريبة 3% على رواتب التقاعد، ورفع ضريبة الأرباح على الفوائد من 7% إلى 10% على مختلف شرائح المودعين من دون أي تمييز بقيمة هذه الودائع، ستؤدّي إلى تقليص القوّة الشرائية للناس، وبالتالي ضرب الاستهلاك، أو بأحسن الأحوال تخفيفه. لا سيّما أن الأعباء المُلقاة على ميزانية الأسر كثيرة ولا تحتمل أعباءً إضافية، وهي بمعظمها ناجمة عن النقص أو القصور في الخدمات العامّة وأبرزها الكهرباء والمياه والنقل والتعليم والصحّة، التي يتم دفع أكثر من فاتورة ثمناً للحصول عليها وبكلفة عالية.
تمّ تأجيل النفقات إلى سنوات لاحقة من دون أن يكون هناك أي إعادة هيكلة للإنفاق العام أو تقييم فعاليته


2- على صعيد الاستثمار: عمدت الحكومة إلى تأجيل أي إنفاق استثماري في الموازنة، في حين أن الاستثمارات الوحيدة المُنتظرة هي تلك المنصوص عنها في مؤتمر «سيدر»، والتي لم يُعرف بعد ما إذا كانت ستنفّذ أم لا، علماً بأنها كلّها استثمارات في البنية التحتية. أي أنه في حال تمّ تنفيذها، سيكون تأثيرها على النموّ والعمالة مرحلياً وغير مستدام، كونها لا ترتبط بأي خطّة اقتصادية لتطوير القطاعات، وبالتالي لن يستفيد منها سوى الشركات الكبيرة لتحسين أعمالها وكذلك من سيقوم بتنفيذ هذه المشاريع. ويقابل ذلك، عدم وجود أي دعم للقطاعات الإنتاجية أو أي خطّة لحفز النموّ، وهو ما سيؤدّي بالتوازي مع الإبقاء على معدّلات الفائدة مرتفعة إلى انعدام أي قابلية للاستثمار من قِبَل القطاع الخاص، التي هي بالأساس وبغالبيتها استثمارات ذات فعالية اقتصادية ضعيفة كونها تتركّز في قطاعات خدمية أو منخفضة الإنتاجية.
3- على صعيد الصادرات: بادرت الحكومة إلى إلغاء أي إشارة لأيّ دعم مُمكن أن تستفيد منه الصناعة، وذلك من خلال إلغاء ربط ضريبة الـ2% على المواد المستوردة بتخصيص جزء من إيراداتها لدعم الصناعة. في الواقع، لا يمكن تحقيق أي نموّ مستدام من دون التفكير بتطوير الصناعة. وتبيّن دراسة أجراها «المركز اللبناني للدراسات»، أن الصادرات شهدت بعض الفورات التي سرعان ما خمدت بسبب عدم قدرة الصناعات اللبنانية على الصمود في وجه المنافسة الأجنبية نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج المحلّية بالمقارنة مع كلفة الإنتاج في بلدان أخرى. وهي مشكلة تحتاج إلى تدخّل مباشر من الدولة لرسم سياسات مؤاتية لتطوير الصناعة خصوصاً أن هناك إمكانيات لذلك، فلبنان يصدّر نحو 1147 سلعة إلى 174 سوقاً، وهو ما يعدّ تنوّعاً لافتاً في الصادرات والأسواق.

لماذا قد تلجأ الحكومة إلى سياسة مماثلة في الظرف الراهن؟
خفض الاستهلاك لوقف نزف الدولارات

شربل نحّاس
* اقتصادي، وزير العمل والاتصالات الأسبق

لا بدّ من العودة إلى «كتب الاقتصاد» الكلّي لمحاولة فهم الأسباب التي قد تدفع الحكومة إلى طرح موازنة تقشّفية في ظلّ الظروف الاقتصادية الراهنة. ففي هذه الكتب تبرز نظريّتان؛ النظرية الكينزية التي تحفّز السياسات التوسّعية لدفع النموّ، والنظرية النيوكلاسيكية التي تؤيّد السياسات الانكماشية لمعالجة التضخّم.
وفقاً للنظرية الكينزية، فإن الناس يتفاعلون مع التوقّعات، وبالتالي عندما يكون النموّ ضعيفاً يفترض بالدولة أن تضخّ السيولة في الاقتصادـ وأن تسمح بالمزيد من الاستدانة وأن ترفع الرواتب وتقوم بالاستثمار، حينها يشعر الناس بوجود الأموال فيستهلكون ويستثمرون بما يؤدّي إلى رفع معدّلات النموّ. وبما أن هذه السياسة التوسّعية في الإنفاق يترتّب عنها دَيْن وعجز في مالية الدولة، فإنها تقتضي فرض الضرائب لتعويض الدَّيْن والعجز عندما ترتفع معدّلات النموّ. ما يعني أن وفقاً للنظرية الكينزية لا يجب اتباع سياسة تقشّفية وانكماشية، بل على العكس يجب توسيع الإنفاق لحفز النموّ ومن ثمّ فرض معدّلات ضريبية أعلى لتعويض العجوزات الناجمة عنه.

(مروان طحطح)

من جهة أخرى، ترى النظرية النيوكلاسيكية أن الناس أذكياء، وبالتالي عندما تقوم الدولة بالتوسّع في الإنفاق، يكونون مدركين بأنها ستقوم باسترداد هذه الأموال من خلال الضرائب وهو ما يدفعهم لادّخار هذه الأموال وعدم إنفاقها. بالنسبة إلى هذه النظرية، فإن الأولوية دائماً هي للتضخّم باعتبار أن ارتفاع معدّلاته يؤدّي إلى تحويل الثروة من المدّخر الذي يضطر لصرف جزء من مدّخراته لتغطية هامش ارتفاع الأسعار، فيما المدين يكون مستفيداً في هذه الحالة، خصوصاً أن إنفاقه بالأساس متدنٍّ نظراً لحالته المدينة. لذلك، يفترض رفع معدّلات الفائدة لخفض معدّلات التضخّم، أي اللجوء إلى السياسات الانكماشية.
في لبنان، نحن لسنا بأيّ حالة من الاثنتين. بمعنى أن لا علاقة للسياسات التي تنفّذها الحكومة بحفز النموّ أو كبح التضخّم، بل القصّة «أبيخ» من ذلك بكثير على الرغم من عمق الأزمة التي نمرّ بها وتداعياتها على المجتمع والاقتصاد. في الواقع، تكمن المشكلة الرئيسية بنقص الدولارات المتوافرة لسدّ حاجات الاقتصاد المحلّي وتسديد المطلوبات المترتبة للخارج، وبالتالي إن كان هناك من معنى لمشروع موزانة عام 2019 المطروح، فهو معنى وحيد ويتمثّل بتقليص الاستهلاك لمواجهة هذه الأزمة من خلال التقشّف، لما لذلك من أثر في تقليل القوّة الشرائية، وبالتالي خفض الاستهلاك الذي بغالبيته مستورد من الخارج ويقضي بنزف إضافي بالدولارات.
التفسير الوحيد لمشروع موازنة 2019 هو تقليص الاستهلاك لمواجهة أزمة نقص الدولارات


وعلى الرغم من أن نقص الدولارات هو الأزمة الرئيسية والأكثر أهمّية التي تعمد الموازنة إلى مواجهتها، إلّا أنه تبرز أيضاً أسباب أخرى ثانوية تدفع باتجاه هذه السياسات الانكماشية، كإبقاء العائد الفعليّ المتأتي من الفائدة أعلى من النموّ الاقتصادي، وذلك من خلال الانكماش للحدّ من الاستهلاك والدفع باتجاه خفض التضخّم وذلك كبديل من رفع معدّل الفائدة بعد أن وصل معدّلها الوسطي إلى 10% في العام الماضي. إلّا أن ذلك مشروط بقبول المتحكّمين بالأسواق، كالمستوردين والتجّار، بعدم رفع أسعار السلع والخدمات، ولا سيّما السلع الأساسية التي لا يمكن للناس الاستغناء عنها، خصوصاً أن غالبية الأسواق اللبنانية تتسم بطبيعة احتكارية وهامش المنافسة فيها ضيّق. بمعنى أكثر وضوحاً، يأخذ معدّل الفائدة في الاعتبار نسبة التضخّم والريع أو الربح الصافي ودرجة المخاطر، وبالتالي خفض معدّل التضخّم مع إبقاء معدّلات الفائدة على مستواها يزيد معدّلات الربح المتأتي منها، وهو ما يعدّ مغرياً لجذب الأموال والودائع، قد تفيد راهناً لكسب القليل من الوقت، وذلك بدلاً من اتخاذ إجراءات تصحيحية وجذرية.