القوى السياسية الأكثر عدائية للتكامل الأوروبي هي نفسها القوى الوحيدة التي صاغت رؤية مشتركة لأوروبا.

اختتمت مارين لوبان وماتيو سالفيني وخيرت فيلدرز وغيرهم من زعماء اليمين المتطرّف حملتهم الانتخابية الأوروبية بتجمّع انتخابي مشترك في ميلانو، رحّبوا فيه بفجر «الثورة السلمية» في أوروبا. وصدحت أغنية «نيسون دورما» Nessun Dorma (أي ليهجر النوم الجميع) لملحّن الأوبرا الإيطالي الشهير بوتشيني ولازمتها «فينشيرو» Vincerò (أي سأفوز) في ساحة دومو Piazza del Duomo في ميلانو.
ولكنّهم في الواقع لم يفوزوا، أو على الأقل لم يكن التقدّم الذي حقّقوه على قدر توقّعاتهم. غير أن النتائج في فرنسا وإيطاليا والمملكة المتّحدة تظهر أيضاً أن اليمين المتطرّف نجح في تحقيق إنجاز أكثر استدامة، وهو رسم رؤية لأوروبا تبدّي المصلحة الوطنية (على مصالح المهاجرين) nativist، ليست نتيجة ردّة فعل خالصة ولا نابعة أيضاً من الحنين.

آريس ــ كوبا

في ميلانو، تحدّث اليمين المتطرّف بصوت واحد. وتعهّد بالدفاع عن أوروبا الحقيقية، أوروبا الشعوب وليست أوروبا النخب الأوليغاركية النيوليبرالية. وتشكّلت الحملة الانتخابية من إشارات كثيرة إلى الهجرة والإسلام كتهديدات مشتركة، وإلى الإرث المشترك لليوناردو دا فينشي وجان دارك، وإلى رؤية تدافع عن ضحايا التقشّف في وجه النخب في بروكسل.
يستطيع اليسار أن يتصدّى للحقائق التي تقف وراء هذه التأكيدات أو لحسن النيّة وراء تلك الوعود. فالأبحاث تظهر أن الهجرة تفيد المجتمعات المضيفة. والضريبة الثابتة بنسبة 15% كالتي دافع عنها سالفيني، لا تساهم سوى في مفاقمة التفاوت. كما أن التعصّب الديني قسّم القارة حتى قبل ظهور التعدّدية الثقافية بكثير. وتهيمن الأبوية حتى في البنى الأسرية العلمانية. كما أن إرثنا المشترك يتشكّل من القمع الاستعماري أكثر منه من الحرّية الجماعية.
ولكن من غير المرجّح أن يساعد التركيز على هذه الحقائق المعزولة في التصدّي للخطاب العام لليمين. فاليسار يحتاج إلى أن يضع رؤيته الخاصّة للثورة الديموقراطية الأوروبية، وليس فقط أن يقوم بردّات فعل على التهديد الذي يشكّله اليمين المتطرّف.

رسالة مشتركة
يتمثّل سرّ تقدّم اليمين الجديد في أنه يمارس ما كان اليسار يبشّر به. فهو يمين دولي جديد يملك رسالة مشتركة ورؤية مشتركة للتغيير الاجتماعي ولديه خصوم مشتركون، واليوم لديه منصّة سياسية مشتركة. وهو يفعل كلّ ذلك راهناً، بينما يغرس جذوره في المجتمعات المحلّية ويتحدّث لغة يفهمها الناس. فبدلاً من الحديث عن الطبقات يتحدّث عن الأمم، وبدلاً من السياسة يتحدّث عن الثقافة، وبدلاً من الرأسماليين يتحدّث عن المهاجرين.
ولكن المفارقة أن هذه القوى الأكثر عدائية للتكامل الأوروبي هي نفسها القوى الوحيدة التي صاغت رؤية مشتركة لما يجب أن تكون عليه أوروبا أو لا تكون عليه. ومن المفارقة أيضاً أن يلجأ سالفيني إلى الإشارة إلى الآباء المؤسِّسين لأوروبا من دي غاسبيري إلى دي غول، والتحدّث عن حلمهم الذي لم يتحقّق بأن تكون أوروبا لشعوبها.
ولم يحصل في أي لحظة خلال الحملة الانتخابية أن لمسنا جهداً منسّقاً للأحزاب الديموقراطية الاجتماعية الكبرى لشغل منصّة واحدة وتنظيم تجمّع انتخابي مشترك والتفكير بشكل نقدي بأوروبا كمشروع مشترك وإشراك الناشطين في المداولات حول مستقبل القارة. كما لم تحاول هذه الأحزاب مناقشة أزمة التمثيل في أوروبا أو الاعتراف بتواطئها في بنيتها النيوليبرالية الفاشلة. ولم تحاول أن تفهم لماذا يثبت اليمين فعاليته في ملء الفجوة بين النوّاب ومن يمثلونهم.
وصحيح أن ثمّة مبادرات عابرة للحدود الوطنية مثل حركة «الديموقراطية لأوروبا 2025» على السكّة الصحيحة أخلاقياً وسياسياً. ولكن، من دون تاريخ من التعبئة السياسية الشعبية ومن دون جذور محلّية ستبقى مبادرات معزولة عن القوى الشعبية التقليدية وجاذبة فقط لحفنة من المفكّرين.

مطاردة اليمين
عادة ما تكون الانتخابات هي الفترة التي تعيد فيها الأحزاب التواصل مع أعضائها ومع المواطنين. وأظهر الإقبال أن الأوروبيين ليسوا لا مبالين تجاه أوروبا ولا عدائيين تجاه السياسة. ولكن في حين حظيت هذه الانتخابات بالترحيب في كلّ مكان وصنّفت على أنها الأهمّ في التاريخ الحديث، بقيت المسائل المحلّية هي المُسيطرة. وواصل يسار الوسط مطاردة اليمين حول انتقاد التعدّدية الثقافية والتشدّد على الحدود والتخفيضات الضريبية، وكما هو متوقّع فقد أخفق في تحقيق تقدّم.
في فرنسا وإيطاليا، يقف اليسار على شفير الاختفاء، وفي المملكة المتّحدة أصبح ضحية غموضه الخاصّ. وحيث صمد في إسبانيا والبرتغال أو حيث حقّق الخضر تقدّماً كبيراً، فذلك نتيجة التزامات واضحة بمحاربة التقشّف وجني الفوائد من حركة الاحتجاج الأوروبية الوحيدة التي احتلّت الشاشات - الإضرابات المناخية.
مات يسار الوسط تاركاً الساحة لليسار الراديكالي واليمين الراديكالي ليتصارعا. وأحدهما فقط لديه الإمكانية لتحقيق العدالة الاجتماعية الدائمة من دون استبعاد الأقليات الهشّة


حان الوقت لجمع كلّ هذه الحملات المعزولة لتحقيق العدالة الاجتماعية مع بعضها البعض ووضعها في خدمة مشروع سياسي متجدِّد. فالنقابات والمهاجرون المحرومون والعمّال المستقلّون والناشطون البيئيون وأعضاء الحملات المحلّية، تعرّضوا لخيبة أمل من البنية الاقتصادية الحالية ونظام التمثيل المُنفّر ومن سنوات من الإدارة التكنوقراطية والتسريح السياسي.
اليوم يمكننا القول إن يسار الوسط قد مات تاركاً الساحة لليسار الراديكالي واليمين الراديكالي ليتصارعا. وأحدهما فقط لديه الإمكانية لتحقيق العدالة الاجتماعية الدائمة من دون استبعاد الأقليات الهشّة. أحدهما فقط لديه التقليد السياسي والموارد الديموقراطية لمناهضة العنصرية وكراهية الأجانب، وللانفصال عن الاستعمار الجديد والتصدّي للرأسمالية والدفاع عن البيئة.
من جهة اليسار، لا يكون الحلّ الجديد الجذري للوضع الراهن سوى برؤية تقوم على إنشاء اتحاد أوروبي اشتراكي.
اليمين الدولي المتطرّف هنا. فمتى يستيقظ اليسار؟

* Social Europe
* ترجمة: لمياء الساحلي

* ليا يبي أستاذة في النظرية السياسية في كلّية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ومؤلّفة مشاركة لكتاب The Meaning of Partisanship (معنى الحزبية).