«المسألة المركزية هي أننا نتحوّل إلى بلوتوقراطية... لدينا عدد هائل من الأثرياء الذين أقنعوا أنفسهم بأنهم أغنياء لأنهم أذكياء وبناؤون. وهم لا يحبّون الدولة ولا يحبّون دفع الضرائب»

بول فولكر

عندما يكون العالم جاهزاً للثورة أو للتغيير أو حتى لاتباع نموذج (paradigm) جديد، يصبح الأمر واضحاً في كلّ مكان، وتتزامن أحداث أو أفكار من دون أن تكون منسّقة أو مشغولة سوية. اليوم، يعيش العالم لحظة كهذه: الرأسمالية تترنّح بأزمات عدّة، كما فقدت بريقها ولم تعد بالنسبة إلى الكثيرين «الحلّ النهائي» الذي تمّ تسويقه بقوّة في الثلاثين السنة الماضية. والأهمّ من ذلك، أن من فقد «الإيمان» بالرأسمالية ليس فقط بعض من عاشوا مرحلة الحرب الباردة والصراع العالمي الكبير بين الرأسمالية والاشتراكية، بل الأجيال الجديدة، أو ما يُسمّى بالألفيين (millenials) الذين بدأ بعضهم يرى في الاشتراكية خياراً ليس بالضرورة أيديولوجياً، بل خياراً بديلاً عن نظام يبدو لهم أكثر وأكثر أنه لا ولن يلبي حاجاتهم وتطلّعاتهم المادية، كما أنه يعيق تقدّمهم في المجتمع.
فاليوم، بعد سنوات على وعد ريغان وثاتشر جيل الشباب في ذلك الوقت بأنهم من الآن فصاعداً سيكونون رأسماليين صغاراً، وأن مستقبلهم ليس مع «الاشتراكية» القديمة، يتطلّع، وللمفارقة، الكثير من الألفيين أن يكونوا في حدّهم الأقصى بروليتاريين، لأن وضعهم الحالي هو بالفعل أسوأ من طبقة الأمس العاملة. بالتحديد يواجه الكثير منهم مصير الالتحاق بما يسمّيه البعض بطبقة «البريكاريا» (precariat) أو العمّال والموظّفين الذين وضعهم مزعزع ومن دون يقين ويسوده فقدان الرابط بين اليوم والغد؛ وهي الطبقة التي اعتبرها جاي ستادينغ في كتابه بالعنوان نفسه: «الطبقة الجديدة الخطيرة». كما أن معضلة الألفيين اليوم هي ليست مع المستقبل الغامض فقط بل مع الماضي الأفضل. فهم عندما ينظرون إلى الماضي يرون أن آباءهم هم أفضل منهم اقتصادياً. في هذا الإطار، أوردت مجلّة الإيكونوميست أنه في استطلاع للرأي في 2017، 36 في المئة فقط من الألمان و24 في المئة من الكنديين و9 في المئة من الفرنسيين يعتقدون أن الجيل القادم سيكون أفضل اقتصادياً من أترابه. وفي دراسة أكثر علمية وآنية لباحثين في الاحتياطي الفدرالي الأميركي نُشرت مؤخراً تبيّن أن الألفيين لديهم أنماط الاستهلاك نفسها مثل آبائهم وأجدادهم ولكن بمداخيل وثروات أقل؛ وأن المشكلة الأساسية تكمن في أنهم دخلوا إلى الحيز الاقتصادي على أثر أزمة 2008 التي أنتجت أسواق عمل ضعيفة وأسواق ائتمان متشدّدة ففقدوا بعضاً مما أتاح لأسلافهم الدخل والاستهلاك العاليين.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

كيف يُستجاب لكلّ هذا سياسياً؟ يطرح اليمين المتطرّف الشعبوي حلولاً كارثية لهذا الترنّح، من الولايات المتّحدة إلى أوروبا مروراً بالهند وأميركا اللاتينية، ويأخذ معه الألفيين إلى العنصرية والكراهية والعنف المُنظّم السياسي والاجتماعي وحتى الجندري. أمّا اليسار الآن، وبعد تأخّر زمني، بدأ يردّ، ونرى ذلك في صعود حزب العمّال البريطاني إلى حيوية الديموقراطية الاشتراكية في الولايات المتّحدة. وقد جاء بيان «الأممية التقدمية» الذي رعاه فاروفاكيس وساندرز ليعلن «لقد آن الأوان ليشكّل التقدّميون حركة شعبية من أجل العدالة العالمية ولحشد العمّال والنساء وكل الذين بلا مقدرات حول العالم خلف رؤية مشتركة من الديموقراطية والازدهار والاستدامة والتضامن».

مانيفستو الليبرالية
لكن لنرى عمق الأزمة وتأثيرها الفكري، علينا أن نقرأ ليس فقط ما يحدث في السياسة من صعود اليمين الشعبوي أو ردّ اليسار، بل ما يحدث مع أيديولوجيي الرأسمالية. من الواضح أنهم في حالة دفاع عن النفس. اللافت للنظر، أن الإيكونوميست، التي شكّلت تاريخياً، منذ 1843، معقل الفكر الرأسمالي، أطلقت مانيفستو «إعادة اختراع الليبرالية للقرن الـ21» في عيدها الـ175، كما نشرت مقالاً عنونته «الثورة الرأسمالية القادمة». الأمران، يعطيان انطباعاً أوّلياً أن شيئاً ما ليس على ما يرام وأن الليبرالية التقليدية تدعو إلى الثورة على ما هو قائم الآن، وهذا أمر يجب التوقّف عنده. تقول الإيكونوميست في مقدّمتها للمانيفستو «أن معضلة الليبرالية الرئيسية أنها في خضم لحظة النصر التي عاشتها عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، أضاعت قِيَمها الأساسية». بالإضافة إلى ذلك، فإنها تذهب إلى عمق الأزمة اليوم من حيث كشف الهوّة التي تفصل بين النخب الحاكمة وبين خطابها وبين الواقع المعاش من قِبل الغالبية. ونظرة الإيكونوميست إلى هذا الأمر يمكن وضعها ومناقشتها كالتالي:
أوّلاً، تحوّل الرأسمالية إلى نظام لا يتّسم بالجدارة، أي أن الجدارة والمهارات والعمل الجادّ، التي من المفترض وفق النظرية الليبرالية التقليدية أن توصل صاحبها إلى نهل ثمارها، لم تعد هي الأساس في التفريق بين الأفراد في الدخل والثروة. وهذا ينهش في روح الرأسمالية. فكم من محبّذ للاشتراكية سمع من مناقشيه، كخطهم الأوّل في الدفاع عن الرأسمالية، بأنها أفضل نظام اقتصادي يؤمّن التماهي بين هذه الخواص الفردية وبين المنافع المفترض أن تتأتّى منها؟ تقول الإيكونوميست «إن النخب الليبرالية الحاكمة تقنع نفسها أنها تحكم نظاماً جديراً ممتازاً، وأنها استحقت كلّ الامتيازات التي تحصل عليها. ولكن الحقيقة ليست بهذا القدر من الوضوح.. (كما) أن الطبقة الحاكمة تعيش في فقّاعة. فأفرادها يذهبون إلى الجامعات نفسها ويتصاهرون في ما بينهم ويعيشون في الأمكنة نفسها».
ثانياً، وحتى قبل أن يتمّ الحكم على كون الرأسمالية تتّسم بالجدارة أم لا، فإنها لم تعد تنتج الثمار الكافية لأكثر الناس. وهذا الأمر ينهش في جسد الرأسمالية. فإحدى خواص الرأسمالية، وأهمّ نقاط الدفاع عنها أيضاً، أنها نظام نموّي لا يستكين فهو يستمرّ ويستمرّ في تكبير الكعكة التي ستوزّع على الجميع وإن كان هذا التوزيع يتمّ بغير مساواة التي تصبح فقط عندها مقبولة. وبالطبع إن مقدرة الرأسمالية هذه على إنتاج الثروة بشكل غير مسبوق في التاريخ، أوّل من لَحَظَهُ كان المانيفستو الشيوعي. تقول الإيكونوميست في بيانها في هذا الإطار «بعيداً عن السلطة، إن أكثرية الناس يقبلون بنموّ رفاههم المادي بدلااً منها. ولكن في ظل مراوحة الإنتاجية مكانها وعلى إثر التقشّف المالي الحكومي الذي تبع الأزمة المالية في 2008، حتّى هذا الوعد قد تمّ الإخلال به في كتير من الأوقات».
ثالثاً، الاعتراف بالصراع بين الطبقات في الرأسمالية وفي ما قبلها. وهذا يحدث عندما تحيد الرأسمالية عن «مثالها» التنافسي، وتذهب المجلّة حتّى إلى حدّ تبيان دورها هي في هذا «الصراع الطبقي» قبلاً ومستقبلاً. في هذا الإطار، تعتبر المجلّة أنها أُنشئت من أجل محاربة «قوانين الذرَة» التي كانت تضع عوائق على استيراد الحبوب إلى بريطانيا وهو يعني وقوفها إلى جانب الفقراء في تلك الفترة. تقول بالتحديد: «لقد خُلقنا من أجل أن نأخذ صف الفقراء ضد الطبقة العليا (gentry) التي كانت مصالحها مرتبطة بزراعة الذرة». بغض النظر عن أن صراع الإيكونوميست في تلك الفترة ضدّ قوانين الذرة هو، كما بيّن ماركس، وقوفها إلى جانب البورجوازية الصناعية الصاعدة ضدّ ملّاكي الأرض، ومن أجل التجارة الحرّة ضدّ الحمائية وليس خدمة للفقراء كما تدّعي المجلّة اليوم، إلّا أنه من المهمّ أن نقرأ ما تضيفه المجلّة «واليوم واتّباعاً للرؤية نفسها، فإن الليبراليين يجب أن يكونوا إلى جانب البريكاريا ضدّ طبقة النبلاء»! والجدير بالاهتمام أنها استعملت للنبلاء كلمة الـ(patricians) وهو ما عُرفت به طبقة النبلاء الحاكمة في أوائل عصر الإمبراطورية الرومانية.
رابعاً، انحياز الرأسمالية عن «مثالها» الذي أرساه آدم سميث وسيطرة الاحتكارات عليها. طبعاً الإيكونوميست هنا تذهب إلى خطّ الدفاع الأخير عن الرأسمالية وتحاول أن تقول إن المعضلة اليوم ليست في الرأسمالية في حدّ ذاتها بل في الانحراف عن الرأسمالية التنافسية. في هذا الإطار، تورد بعض المعطيات التي تعطينا الانطباع أن الرأسمالية دخلت فعلاً مرحلة جديدة من الرأسمالية الاحتكارية. فمنذ 1997 زادت درجة التركيز في ثلثي الصناعات الأميركية وعُشر الاقتصاد تسيطر فيه 4 شركات على ثلثي السوق. كما أن الشركات نتيجة أرباحها العالية تسبح بالنقد أكثر من أي مرّة كمعدّل عام في الخمسين سنة الماضية. وتحتسب الإيكونوميست أن كمّية الأرباح غير الطبيعية في العالم تبلغ 660 مليار دولار أميركي.
اعتقد ريغان وثاتشر (اللذين أيّدتهما الإيكونوميست) أن تحطيم النظام الليبرالي التقليدي الذي أخذ شكل الكينزية ودولة الرفاه الاجتماعي في القرن العشرين واستبداله بالنيوليبرالية سيحطّم الاشتراكية، لكنّه انتهى بدفع الرأسمالية إلى أكثر أزماتها عمقاً. بعض من مؤيّديها مثل عالم القانون الأميركي المحافظ ريتشارد بوزنر يقول إنها «فَشلٌ للرأسمالية» وهو عنوان كتابه حول أزمة 2008، كما أن بول فولكر محافظ الاحتياطي الفدرالي الأميركي بين 1979 و1987، الذي يمكن القول عنه إنه مهندس كلّ الحقبة النيوليبرالية إذ إن سياساته النقدية هي التي أطلقتها، يقول إن الرأسمالية الأميركية تتحوّل إلى بلوتوقراطية أو حكم الأقلّية. وكل هذا الاعتراف بالأزمة ليس تفصيلاً، فأكثر المدافعين عنها بشراسة، ما عدا بعض الكهنة الأكاديميين والسطحيين من العموم، يعترفون أن هناك خطباً ما في الرأسمالية على الأقلّ كما هي اليوم. المسألة في النهاية ليست هنا بل في الخوف من تحوّل هذه الأزمة في الرأسمالية إلى أزمة الرأسمالية، وهذا ما يحاول المدافعون عنها أن يمنعوه ومنهم الإيكونوميست.