يعدُّ خلق الثروة قضية حضارية بذاتها، باعتبار أن الثروة يُفترض أن تلبّي الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمعات البشرية. لكن لو لم يكن عالمنا غنياً إلى هذا الحدّ، فإنه ما كان ليصبح منذ نهاية القرن التاسع عشر، ازدواجياً ومنقسماً إلى قطبين، بسبب انفجار هوة اللامساوة التي نعاني منها، والتي ينبغي تحديدها لقياس تأثيراتها الكاملة. فهذا النموذج غير المستدام وغير التشاركي، هو عامل رئيسي لإثارة التوترات والأزمات على كلّ المستويات.


الثروة العالمية
لم يسبق للناس أن أنتجوا هذا الحجم الهائل من الثروة، لا على المستوى العالمي ولا كحصة من نصيب الفرد. في الواقع، ارتفع عدد سكان العالم بنسبة 38%، خلال 25 عاماً، في حين تضاعف الناتج المحلي الإجمالي العالمي (بلغ نحو 75.550 مليار دولار في عام 2016). هذا الأمر أدّى إلى إعادة بعض التوازن إلى النظام العالمي، مدفوعاً بنصف النمو الاقتصادي العالمي المحقّق خلال هذه الفترة، إذ ارتفعت حصة بلدان الجنوب من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 20 إلى 32%، في حين تراجعت حصّة بلدان الشمال من 80 إلى 68%. لكن على الرغم من ذلك، ما زالت الأرض عبارة عن فسيفساء مكوّنة من مجموعة أنظمة متغايرة، بدليل أن المقيم في النروج ينتج ثروة 470 مرّة أكثر من المقيم في بوروندي. في الواقع، تتعايش على هذا الكوكب عوالم عدّة، وهي تتنافس في شكل مضطرد، منذ تحرير التجارة وتناميها وزيادة تدفقات رأس المال.
هذه الثروات المتولّدة – ويقيسها الناتج المحلي الإجمالي – هي عبارة عن ثروات مالية أو عقارية متمركزة في مساحات ضيّقة. وعلى الرغم من صعود البلدان الناشئة، إلّا أن الشمال ما زال مهيمناً إلى حدّ كبير، إذ يستحوذ على 78% من مجمل الثروة العالمية، ويعود ذلك إلى حجم تراثه الجغرافي والتاريخي الثلاثي الجوانب القائم على تراكم رأس المال والتنمية والهيمنة. تساوي ثروة الولايات المتحدة 27 مرّة ثروة كلّ البلدان الأفريقية.

انفجار اللامساواة
في المجمل، تعدّ الفئات الاجتماعية الأكثر ازدهاراً، الأكثر استفادة من العولمة. وفقاً لـcredit suisse، فئة صغيرة من الأوليغارشية تحتكر الجزء الأكبر من الثروة العالمية: هناك نحو 400 مليون شخص، يشكّلون 8% من مجمل سكان الأرض، يستحوذون على 86% من الثروة العالمية. وأكثر تفصيلاً، تستحوذ نخبة الأوليغارشية التي تشكّل 0.7% من مجمل سكان الأرض على نحو 45.6% من مجمل الثروة. في المقابل، هناك 73% من مجمل سكان الأرض لا يحصلون سوى على الفتات، نحو 2.4% من مجمل الثروة. وفي ظل هذه الظروف، تتقلّص الطبقات المتوسطة، على الرغم من النمو الذي تحقّقه في بعض البلدان الناشئة، فهي تشكّل 18.5% من مجمل سكان الأرض (897 مليون نسمة) وتستحوذ على 11.4% من مجمل الثروة.


ترتبط هذه البنيات غير المتساوية، في شكل كبير، بالنمو الذي حقّقه النظام المالي الجديد، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والقائم على مراكمة رأس المال. بحيث وصلت قيمة الأصول المالية إلى مستويات قياسية تقدّر بنحو 128.500 مليار يورو في نهاية عام 2016، يستحوذ 10% من أغنى الأغنياء على 79% منها في مقابل استحواذ الـ50% الأكثر فقراً على 1% من مجمل قيمة هذه الأصول.
على الرغم من حلول القرن الواحد والعشرين، يبدو واضحاً أن عالمنا ما زال قائماً على هياكل النظام القديم، وهو ما يقلّل من حدّة الدهشة إزاء هذه الظروف الراهنة، التي تطغى عليها التوترات الاجتماعية والسياسية والتهجيرية وتعيد بناء الفضاء العالمي. إن احتكار الثروة والاستيلاء عليها من قبل القلّة، ليس صادماً أخلاقياً فحسب، ولكنّه غير فعّال اقتصادياً واجتماعياً أيضاً. وعلى الرغم من تراجع الفقر المدقّع نسبة إلى عقود سابقة، لا يزال هناك نحو 850 مليون شخص يعانون منه، وهو ما يجعل أهداف الأمم المتحدة للقضاء على الفقر بحلول عام 2030 أمراً غير قابل للتحقيق.

ازدواجية الأقاليم
تشكّل هذه التفاوتات في توزيع الثروة السمة الأساسية في تنظيم الأقاليم والمجتمعات على كلّ المستويات الجغرافية. وكما توضح جغرافيا الثروات الضخمة، تستضيف 13 مدينة فقط ربع مليارديرات العالم، وتضمّ 50 مدينة نصف هؤلاء. تلعب هذه الأوليغارشية، عبر نفوذها الاقتصادي والمالي والسياسي واستراتيجياتها السكنية، دوراً مركزياً في إعادة تشكيل الفضاءات الحضرية للمدن الكبرى الرئيسية في العالم. في عدد كبير من المدن الكبرى في الشمال، وأكثر تحديداً في الجنوب (مكسيكو، ريو، ساو باولو، لاغوس، شنغهاي...)، تفصل هذه القلة نفسها عن باقي المجتمع، خصوصاً عند تصاعد التوترات الاجتماعية والعنف، داخل غيتوهات سكنية تحرسها الميليشيات الخاصة.
على سبيل المثال، في الجزر البريطانية، تستقطب لندن الكبرى 56% من مجمل أصول أغنى ألف مقيم فيها، وبعضهم من ورثة الثروات القدامى مثل دوق وستمنستر، وبعضهم الآخر من الميليارديرات الجدد مثل الهندي لاكشمي ميتال، أما حوض لندن الكبير فيستحوذ على 69% من هذه الأصول. في المقابل، إذا استمرّت الجنّات الضريبية باستقبال أصحاب الملايين، فإن حدّة الطبقية في المدن الصناعية القديمة ستنخفض وستشهد هذه المدن أشدّ التحوّلات الهيكلية العميقة في الجغرافيا الاقتصادية للمملكة المتحدة خلال قرن. أيضاً توضح خريطة الحالة البرازيلية، الفوارق بين ساو باولو وريو وبرازيليا مقارنة مع بيلو هوريزونتي وبورتو أليغري وكوريتينا والسلفادور، علماً أن هذا الازدواج المكاني-الاجتماعي هو أكثر حدّة في أقوى البلدان الجنوبية أيضاً.

* أطلس العولمة: أرض واحدة وعوالم عدّة - 2018

* ترجمة: فيفيان عقيقي