تسيطر الشركات الـ10 الأكبر في لبنان على أصول بقيمة 128.5 مليار دولار، أي أكثر من مجمل الناتج المحلي بمرتين ونصف المرّة تقريباً. 6 من هذه الشركات هي مصارف، واثنتان لصناعة الإسمنت، وشركة عقارية وأخرى لاستيراد السيّارات. وهذا يعكس بوضوح الخلل في بنية القطاع الخاص اللبناني، إذ تُهيمن الأنشطة المالية والتجارية والصناعات المدعومة والمحمية والملوّثة للبيئة والشركات التي تحظى بالامتيازات الخاصّة، كشركة «سوليدير» القابضة على قلب بيروت وتاريخها.

في سياق عملياتها التجارية، نشرت مجلّة «فوربس» الشهيرة، في آب/ أغسطس الماضي، قوائم خاصة عن لبنان، منها «أقوى 10 شركات»، و«أقوى 18 شركة ناشئة في لبنان». وعلى رغم التحفّظات الجدّية على قوائم هذه المجلّة، إلّا أنها تعكس إلى حدّ كبير نتائج السياسات العامّة في لبنان وآثارها السلبية المتراكمة على بنية الاقتصاد اللبناني وكفاءة القطاع الخاص وفرص العمل والاستثمار.


صنّفت المجلّة «أقوى 10 شركات في لبنان» وفق حجم المبيعات وصافي الأرباح وإجمالي الأصول والقيمة السوقية. ووفق البيانات التي استندت إليها، تبلغ قيمة الأصول التي تسيطر عليها هذه الشركات نحو 128.5 مليار دولار، وتبلغ قيمتها السوقية نحو 8.6 مليار دولار، وحقّقت مبيعات (إيرادات) سنوية بقيمة 8.7 مليار دولار، وجنت أرباحاً صافية بقيمة 1.4 مليار دولار.
تدلّ هذه البيانات على هيمنة قلّة قليلة من الشركات على الأسواق المحلية، وهذا ليس مستغرباً في ظل السّمة الاحتكارية التي تطبع الأسواق اللبنانية والاستحواذ على الامتيازات والدعم والحماية وطغيان المحسوبية، فضلاً عن أن هذه الظاهرة هي عالمية، إذ تستحوذ 10% فقط من شركات العالم على 80% من الأرباح. إلّا أن الحالة اللبنانية تنطوي على ما هو أبعد من «رأسمالية الشركات الكبرى»، وتبيّن عمق الاختلالات في بنية الاقتصاد اللبناني، الذي يسيطر عليه القطاع المالي (يوازي حجمه أكثر من 4 مرّات وربع المرّة حجم مجمل الناتج المحلي)، وتجارة العقارات التي تُقدّر مبيعاتها السنوية الفعلية بأكثر من 10 مليارات دولار وتستحوذ على 15% من مجمل الناتج المحلي، أي أكثر من حصّة قطاعي الزراعة والصناعة مجتمعين (إذا استثنينا الكهرباء والمياه والبناء والكسارات والمقالع)، إضافة طبعاً إلى التجارة، التي يُقدّر البنك الدولي قيمة أرباحها الاحتكارية بما يوازي 16% من مجمل الناتج المحلي، أو ما يعادل 8.5 مليار دولار بأسعار اليوم... هذه النشاطات الطاغية لا تحتاج إلى عمالة كثيفة، ومعظمها لا يحتاج إلى عمالة ماهرة، وتُعدّ الأجور فيها منخفضة جداً قياساً إلى الأرباح وسرعة تراكم رأس المال، بمعنى أنها نشاطات غير مُنتجة ولا تساهم بخلق الوظائف المطلوبة وتدفع أكثرية خرّيجي الجامعات إلى الهجرة وحرمان المجتمع اللبناني من أحد أهم ميزاته.
لذلك، تجدر ملاحظة أن 6 من الشركات الـ10 الأكبر في لبنان هي مصارف، 5 منها تحتلّ المراتب الخمسة الأولى، والبنك السادس يحلّ في المرتبة السابعة. هذه المصارف تُسيطر وحدها على أكثر من 125 مليار دولار من قيمة الأصول، ونحو 8.3 مليار دولار من الإيرادات، و1.5 مليار دولار تقريباً من الأرباح، وأقل بقليل من 7 مليارات دولار من القيمة السوقية.
لا يحلّ على قائمة الـ10 الكبار سوى مصنّعين إثنين فقط (المرتبتان 5 و10)، ولا غرابة في أن يكونا مصنعي إسمنت، ليس لأن هذه الصناعة مُتّصلة اتصالاً مباشراً بفورات البناء والمقاولات فقط، بل لأنها الصناعة شبه الوحيدة التي تحظى بدعم الدولة وحمايتها الكاملة، على رغم أضرارها الثابتة على البيئة والصحّة ومساهمتها برفع الأكلاف الاقتصادية والاجتماعية، فاستيراد الترابة ممنوع وتصديره مسموح، والأسعار حرّة ومعدّلات الضريبة هي نفسها لجميع الشركات الأخرى، في حين أن صناعة الإسمنت والترابة تستنزف موارد طبيعية هي موارد عامّة بامتياز، وهناك أدلّة علمية على مساهمتها في زيادة معدّلات الإصابة بالأمراض، لا سيّما السرطان.
وتحلّ «سوليدير» في المرتبة الثامنة، ولا حاجة لحديث مطوّل عن الامتيازات التي تحظى بها هذه الشركة، وتكفي الإشارة إلى أنها قامت على «مصادرة» الملكيّات العقارية الخاصّة والعامّة في وسط بيروت التاريخي، وتدمير الأسواق التجارية القديمة، والسيطرة على ردم البحر وتحويله إلى «منغلقات» مخصّصة للأثرياء فقط.
وضمّت القائمة شركة «رسامني يونس للسيّارات»، وهي شركة تمتلك «وكالات تجارية حصرية» لاستيراد السيّارات، وهذا النشاط التجاري مُزدهر جدّاً في لبنان، نتيجة غياب الاستثمارات العامّة في النقل العامّ، وبسبب اتصاله مباشرة بتجارة النفط «النافذة جدّاً». ويستورد لبنان نحو 88.8 ألف سيّارة سنوياً بقيمة 1.33 مليار دولار (عام 2017).
في الصورة المقابلة، على قائمة أقوى الشركات الناشئة، تظهر نتائج هذه الهيمنة بوضوح، ففي حين يوجد إقرار عامّ بأن الشركات الناشئة في لبنان تولّد معظم فرص العمل الجديدة، إلّا أنها لا تحظى بأي دعم فعلي وحماية جدّية تمكّنها من رفع إنتاجيتها وزيادة قدراتها التنافسية، فالشركات الناشئة التي أدرجتها «فوربس» على قائمتها، هي عبارة عن تطبيقات بسيطة وحلول تكنولوجية لا تمّت بصلّة إلى الاقتصاد الحقيقي، ولا يوجد بينها تكنولوجيات لتطوير الصناعة والزراعة وزيادة الصادرات، علماً أن استثماراتها محدودة وصغيرة مقارنة مع الشركات الكبرى ومع الشركات الناشئة في بلدان أخرى. ويعود ذلك إلى «تدني تنافسية القطاعات المُنتجة، بسبب ارتفاع الكلفة الإنتاجية، الناجمة عن ارتفاع أسعار العقارات وأسعار الفائدة على القروض وارتفاع قيمة الليرة المدعومة»، وفق تحليل الاقتصادي والمستشار السابق في البنك الدولي سمير الضاهر.