يتسم تاريخ البشرية بخضوعه لتحوّلات مستمرّة وقدرته اللافتة على التكيّف مع هذه التحوّلات. وفي مجال الطاقة، يكمن التحوّل في الانتقال من هيمنة أحد أنواع الوقود على سوق الطاقة العالمي إلى نوع آخر بديل. يتجلّى هذا التحوّل، في الوقت الراهن، من خلال الانتقال من عالم يُهيمن عليه الوقود الأحفوري (النفط والفحم والغاز الطبيعي) نحو مستقبل أخضر تكون فيه الطاقة المتجدّدة (الوقود الحيوي والشمس والرياح والمياه) والطاقة النوويّة المصدر الرئيس لسدّ احتياجات العالم من الطاقة. وترتبط صفة «الطاقة الخضراء» بهذه المصادر من الطاقة، كونها لا تساهم فعلياً في انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون (CO2) وبالتالي لا تؤدّي إلى ارتفاع حرارة الأرض. فوفقاً للجنة الدولية للتغيّرات المناخية، تُعدُّ انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري، والعمليات الصناعية تحديداً، مسؤولة عن 78% من مجمل انبعاثات الغازات الدفيئة، التي ارتفعت باضطراد بين عامي 1970 و2010. من هنا، يتطلّب خفض الغازات الدفيئة خفضاً كبيراً في عمليات حرق الوقود الأحفوري. وفي حين، يعدّ هذا الهدف نبيلاً، إلّا أنه طموح للغاية، وتظهر التجربة أن إحداث تحوّل مماثل في الطاقة يتطلّب وقتاً طويلاً، قد يمتدّ لعقود، ليُزهر وينضج بالكامل.


نوع واحد مسيطر
يبيّن المسار التاريخي لتطوّر الطاقة، أن نوعاً واحداً من الوقود سيطر على مزيج الطاقة في العالم، إلى حين تمكّن نوع جديد من الوقود من إزاحته والحلول مكانه. على سبيل المثال، حلّ الفحم مكان الوقود الحيوي التقليدي وساهم في تغذية الثورة الصناعية، ولا يزال حتى اليوم، الوقود المفضّل في البلدان التي تمرّ بمرحلة التصنيع، فهو يشكّل 60% من مجمل إمدادات الطاقة الرئيسية في الصين و70% منها في الهند، وهما (أي الصين والهند) يعدّان من الاقتصادات السريعة النمو، في حين لا تتخطّى حصّة الفحم من مجمل إمدادات الطاقة الرئيسية، نحو 16%، في الاقتصادات المتقدّمة.
إلّا أن هذا التحوّل تطلب نحو نصف قرن ليحلّ الفيول مكان الفحم، متربّعاً على عرش الطاقة في العالم. ففي البداية كان يستعمل فقط لأغراض طبية (زيت الثعبان) ولإضاءة مصابيح الكاز، إلى حين اختراع المصباح الكهربائي وظهور التكنولوجيات المنتشرة في المجتمعات الراهنة، بحيث حلّت السيارات مكان الأحصنة والعربات وأنهت أحد «أسوأ أشكال التلوّث في المناطق الحضرية»، أي الروث المنتشر في الشوارع والأرصفة، وهو ما أدّى إلى خلق سوق جديدة للنفط. ومنذ ذلك الحين، يسيطر الفيول على قطاع النقل من دون منازع، بما يفسّر دوره الاستراتيجي في المجتمعات الحديثة.


وعلى الرغم من أهمّية الفيول ودوره الاستراتيجي، إلّا أنه كان عرضة لتحدّيات أدّت إلى تراجع حصّته نسبة إلى مصادر الطاقة الأخرى في السوق العالمية. وتعدُّ الأزمة النفطية في أوائل سبعينيات القرن الماضي أبرز هذه التحدّيات، إذ تسبّبت في ارتفاع أسعار الفيول وبروز مشكلات اقتصادية بين البلدان الرئيسية المستهلكة للنفط في أميركا الشمالية وأوروبا. ونتيجة لذلك، تآكلت حصّة النفط وأصبح الغاز الطبيعي - الذي لم يكن مرغوباً في البداية - أكثر شعبية، وحلّ مكان النفط في قطاعات مختلفة، كإنتاج الكهرباء في بلدان متقدّمة عدّة، خصوصاً أن بمنظور سياسات مواجهة التغيّر المناخي، تبقى انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون لكل كيلواط/ساعة الناتجة عن الغاز الطبيعي أقل بنسبة 40-50% من الفحم و25-30% من النفط، ما يعطيه دوراً مركزياً في عملية تحوّل الطاقة الراهنة.
وفي ما يتعلّق بمصادر الطاقة الخضراء فهناك شقان. لقد بدأت محطة الطاقة النووية الأولى في العالم عملياتها في أوبنينسك في روسيا في عام 1954، إلّا أنه بعد مرور أكثر من ستة عقود على بدءها، لا تزال مساهمتها أقل من 11% من مجمل الطاقة الكهربائية المنتجة (2015)، وهي أقل من معدّلات الذروة (18%) التي بلغتها في عام 1996، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. لقد ظهرت أوجه القصور الرئيسية في الطاقة النووية قبل وقت طويل من تحوّل السلامة العامة إلى مصدر قلق دولي كبير، بحيث تم الحدّ من الدور الذي يمكنها أن تلعبه نظراً إلى كلفة بناء معامل الطاقة النووية قياساً إلى المدّة القصوى لتشغيلها قبل اهتلاكها وقضايا السلامة العامة المرتبطة به.
أمّا الطاقة المُتجدّدة فقد أصبحت بارزة بشكل أكبر، مدعومة بالقلق العالمي من تغيّر المناخ. في الواقع، انتشر الاعتماد على مصادر الطاقة المتجدّدة، وخصوصاً الرياح والشمس، بشكل سريع خلال العقد الماضي وفي مختلف البلدان، ولو أن البلدان الغنية كانت الأكثر استهلاكاً لهذه المصادر. في خطابه الأوّل بعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية في عام 2009، أشار باراك أوباما إلى أن بلاده «ستسخّر الشمس والرياح والتربة لتغذية المصانع والسيارات بالطاقة». ولم يكن أوباما وحيداً في التعبير عن هذه النية، ففي مختلف أنحاء العالم، أعيدت صياغة السياسات المتعلّقة بالطاقة، بحيث أعطيت الطاقة المتجدّدة حيّزاً مهمّاً ضمنها، وخصّصت لها الأموال لتطوير تقنياتها الخاصة والمكلفة. ونظراً إلى النمو المضاعف الذي حقّقته، توقّع كثيرون قرب انتهاء عصر الوقود الأحفوري.

الآمال والوقائع
هناك حاجة ملحّة لتغليب الواقعية في مجال الطاقة. فعلى الرغم من الحرب المستعرة على الوقود الأحفوري والدعم العالمي لمصادر الطاقة الخضراء، إلّا أن الوقود الأحفوري ما زال يؤمّن أكثر من 85% من مجمل احتياجات الطاقة في العالم، بالمقارنة مع 10% للطاقة المتجدّدة (تستحوذ الطاقة الكهرومائية، وهي أقدم أشكال الطاقة المتجدّدة المستخدمة، على 7% وحدها)، فيما تستحوذ الطاقة النووية على الحصة المتبقية، وذلك وفقاً للمراجعات الإحصائية حول الطاقة العالمية الصادرة عن BP، وعلى الرغم من الآمال المعلّقة على الطاقة المتجدّدة وقدرتها على تحقيق نمو في وقت حاسم، إلّا أن انطلاقها من قاعدة ضعيفة يرجّح بقاء حصّتها من مجمل إمدادات الطاقة العالمية متواضعة في المستقبل المنظور، حتى ولو حافظت على معدّلات النمو المرتفعة نفسها.
في الواقع، تستفيد الطاقة المتجدّدة من الدعمين المالي والقانوني الكبيرين اللذين تقدّمهما الحكومات، إلّا أن ذلك قد يكون العائق الأساسي أمام تطوّرها. ولعلّ الدرس الأهم الذي يقدّمه التاريخ والتجربة، هو أن التكنولوجيات التي تعتمد على الأسواق تميل نحو تحقيق معدّلات نمو أسرع بكثير بالمقارنة مع التكنولوجيات التي تعتمد على الدعم الحكومي. وقد تكون الطاقة النووية التي تعتمد على الدعم الحكومي، مثالاً جيداً، فهي لا تزال تواجه صعوبة في الحفاظ على النمو على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على إطلاقها.
صحيح أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح حقّقتا تقدّماً مذهلاً، إلا أن استمرارية هذه التكنولوجيات تبقى معلّقة بمدى قدرتها على المنافسة تجارياً مع مصادر الطاقة الأخرى من دون أي دعم. وبالإضافة إلى ذلك، تواجه الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مشكلات عدّة نتيجة إمداداتها المتقطّعة والقدرة المحدودة على تخزينها. على سبيل المثال، هناك حاجة ماسّة للطاقة الشمسية خلال ذروة الطلب، لكن هذا الوقت، وفي غالبية البلدان، يتحدّد بأوقات غياب الشمس. أمّا ما يجعل استبدال الوقود الأحفوري أمراً مثيراً للتحدّيات هو أنه أرخص من البدائل وأكثر وفرة وملاءمة. عندما تساعد التكنولوجيا على تغيير الاقتصاد لصالح الطاقة المتجدّدة، فقط عندها، سيحدث هذا التحوّل.
إن الجدل القائم راهناً حول مسار تحوّل الطاقة يطغى على المشهد العالمي في مجال تطوير البدائل. وللمرّة الأولى في التاريخ، ينتقل العالم إلى تنويع مصادر الطاقة المُستخدمة من دون تغليب مصدر على آخر. علماً أن هذا التحوّل الحدثي سيكون له تداعيات بارزة في ما يتعلّق بسبل توفير أمن الطاقة، وهو الهمّ المركزي للأجيال المقبلة والحكومات حول العالم. وهذا الاتجاه يستحق المزيد من الاهتمام، خصوصاً أنه سيترافق، على أقل تقدير، مع العقدين المقبلين.

* المديرة التنفيذية لشركة Crystol Energy