دفعت الأزمة المالية عام 2007 الاقتصاد العالمي إلى أكبر تراجع منذ الكساد الكبير. واستطاعت الطبقات الرأسمالية إنقاذ النظام عبر مزيج من الحوافز والائتمان المنخفض الثمن وإجراءات تقشّف كبيرة طالت الطبقات العاملة حول العالم. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات حفّزت انتعاشاً جديداً، إلاّ أنّه انتعاش ضعيف عانى من مجموعة من التناقضات السياسية والاقتصادية.

طلبت مجلّة «إنترناشونال سوشلست ريفيو» International Socialist Review من مجموعة من الاقتصاديين الماركسيين إعطاء تقييمهم الخاص لعصرنا الاقتصادي ومساره.
افتتح هاداس ثير Hadas Thier النقاش بمداخلة بعنوان «جذور الأزمة والكساد وتفوّق القطاع المالي على الاقتصاد الحقيقي» حيث عاين أسباب الركود العالمي في الاقتصاد الحقيقي.
بعد عقد من أزمة الركود العالمي، لا يزال نحو نصف الأسر الأميركية يكافح ليؤمّن بالكاد «ميزانية السكن ورعاية الأطفال والطعام والنقل والرعاية الصحية» (1). وعلى الرغم من التصريحات المتفاخرة لـ«المغرّد الأعلى» (tweeter-in-chief نسبة إلى commander-in-chief أي القائد الأعلى للقوات المسلّحة)، فإن انخفاض معدّل البطالة ليس مؤشراً جيّداً لحالة الطبقة العاملة. فالعمّال «المحبطون» (الذين توقّفوا عن البحث عن عمل) والعمّال المشغّلون تشغيلاً ناقصاً لا يُحتسبون في صفوف العاطلين عن العمل، ولا تزال معدّلات المشاركة في العمالة أدنى من مستويات ما قبل الركود بأربع نقاط مئوية. كما أن المعدّلات المنخفضة للبطالة أخفقت في رفع أجور العمّال المتدنّية بشكل مخزٍ.
ربّما كان من الممكن توقّع أن يتبع ازدهار النيوليبرالية والركود النيوليبرالي، انتعاش نيوليبرالي أيضاً. فإذا كان من أمر صحيح قاله آلان غرينسبان خلال ولايته كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، فهو أن عقوداً من الاستقطاب الاقتصادي قد خلقت قوة عاملة «مصابة بصدمة». فالوظائف التي عادت هي إلى حدٍّ كبير منخفضة الأجر وتتطلّب مهارات متدنيّة، كما أنها مؤقتة وذات دوام جزئي. في الواقع، لقد بلغ المجتمع الأميركي مستويات مرتفعة جديدة من الاستقطاب، وهذا واضح في كلام بيرني ساندرز أخيراً، الذي قال إن «الأشخاص الثلاثة الأكثر غنى في أميركا يملكون ما يملكه الـ50% الأكثر فقراً، أي أكثر من 160 مليون شخص» (2).

حقائق الأمْوَلة
على الرغم من أنّ سوق الأسهم بدأت تنتعش على غرار أرباح الشركات الكبرى، إلّا أن الاستثمار في إنتاج جديد بقي ضعيفاً. ولم يحقّق الانتعاش معدّلات نموّ كبيرة للاقتصاد الأميركي ككلّ. وبالكاد تجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي 2% سنوياً (مقارنة بـ3 إلى 4% في العقود السابقة). وأثار عمق الركود وضآلة الانتعاش أسئلة، على اليسار مواجهتها. هل دخلنا مرحلة عادية من «الركود المُزمن»، كما وصفها وزير الخزانة الأميركي لورنس سامرز؟ وإذا كان ذلك صحيحاً فما الأسباب؟
ثمّة جواب شائع ومعقول يعيد حالة الاقتصاد إلى تنامي موقع الرأسمال المالي في مجتمع اليوم. فلا شكّ أن رفع القيود عن القطاع المالي وتزايد استقلاليته منذ سبعينيات القرن الماضي يفتحان الباب أمام انفجار الأسواق المالية، ويحفّزان عملية «توريق» (إصدار أوراق مالية) كل شيء، أي تحويل الدين (بما في ذلك السندات الحكومية والرهون العقارية للعمّال) إلى أدوات مالية صالحة للتداول العام. وبالطبع لعبت رأسمالية الكازينو دوراً كبيراً في زيادة سرعة وضراوة الركود العالمي، ولا شكّ ستلعب دوراً في الركود التالي.
على الرغم من أن الدور الملتوي للقطاع المالي كان معترفاً به بشكل واسع في السنوات التي تلت الركود، إلّا أن الخلطات السامة نفسها تقدّم اليوم. فـ«الرهون العقارية الثانوية» استُبدلت بـ«الرهون العقارية السهلة» (التي تتساهل في شروط أهلية المتقدّم بطلب للحصول عليها). ونلاحظ أن سوقاً للأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية ينمو مجدّداً ولكن هذه المرّة يعيقه سوق بقيمة 200 مليار دولار الآن للأوراق المالية المدعومة بقروض الطلاب. وإذا اعتقدتم أن وول ستريت لم تكن قادرة على أن تقوم بشيء أكثر قذارة من تحقيق الأرباح من جيوب الأسر العاملة، فإن المستثمرين اليوم يوجّهون ضربة قاضية إلى ملايين الناس الرازحين تحت أعباء الدين وقوانين الإفلاس التي لا ترحم. والآن تلغي إدارة ترامب القواعد التنظيمية التي لا تناسب المؤسّسات المالية والتي وُضعت خلال ولاية أوباما.
النمو الربحي وليس الركود أدّى إلى تقوية القطاع المالي
يبدو من المفهوم حينها الإشارة إلى أن عصر الأمْولة ظهر في مرحلة جديدة من الرأسمالية ـ التي وصفها رئيس تحرير «Monthly Review» جون بيلامي فوستر بأنها مرحلة «الاحتكار المالي». فيعتبر الأخير أن «الأمولة» أصبحت «ضرورة بنيوية دائمة للاقتصاد المعرّض للركود» (3). ونظراً إلى أن رأس المال غير قادر على تحقيق ما يكفي من الأرباح عبر الإنتاج التقليدي للسلع، أصبح يعتمد أكثر فأكثر على الأرباح السهلة، ولكن غير المضبوطة، للمنتجات المالية المعقّدة. ولكن نظراً إلى أن رأس المال المالي لا يستطيع في النهاية التوسّع إلى ما لا نهاية من دون قاعدة في الاقتصاد المنتج، نحن معرّضون لفقّاعات مضاربة وانفجارات هائلة.
في الواقع، إن الاستثمار في خلطات مالية كان نتيجة توجّهات معاكسة. فقد تمّت استعادة الكثير من الربحية عبر الطفرة النيوليبرالية ما جعل رأس المال يبحث عن منافذ إضافية للاستثمار. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، تحقّق نمو مادي هائل في الإنتاج أدّى إلى مردود كبير. وقد تسارعت العملية هذه في مطلع الألفية الثالثة مع الطفرة النفطية. وشرح تي. جاي. ليم وهو أحد الأعضاء الأوائل في فريق المقايضات في «جي. بي. مورغان» أن «الكلّ كان يبحث عن مردود. كان بإمكانك فعل كل ما كنت تحلم به وكان الناس يشترونه. وكلّ أسبوع كنّا نشهد ولادة فكرة منتج جديد». وقد وجد الاستثمار الرأسمالي قناة فعّالة على شكل ديون المستهلكين، ما أدّى إلى «عصر التوريق» (4).
وكما جادل ماركس، لا تنشأ الأزمات في مجال الائتمان ولكنّها تظهر هناك أولاً. وكتب «في نظام الإنتاج حيث... عملية إعادة الإنتاج تعتمد على الائتمان، لا بدّ من اندلاع أزمة إذا تمّ سحب الائتمان فجأة... على شكل تدافع عنيف للحصول على وسائل لتأمين المدفوعات. للوهلة الأولى، إذاً تطرح الأزمة نفسها على أنها ببساطة أزمة ائتمانية ونقدية». بعبارة أخرى، لأن النظام يعتمد على الائتمان ولأن تمديد الائتمان يطيل أمد توسّع الإنتاج قبل أن يجفّ حين تنفجر الفقّاعة، فإن الانطباع الذي يتولّد هو أن الأزمة هنا تبدأ بالتشكّل.

تكامل رأس المال المنتج والمالي
لا يوجد شرخ فعلي بين الاقتصاد «الحقيقي» المعتمد على رأس المال الصناعي الذي ينخرط في إنتاج السلع وبيعها ولكن لديه رأس مال صغير خاص به يمدّ هذا النشاط، وبين رأس المال المالي الذي يلعب دوراً تيسيرياً بحتاً. ولكن ما حصل في العقود القليلة الماضية كان معاكساً تماماً، إذ شهدنا تداخلاً متزايداً ودمجاً لرأس المال المنتج بالمالي. وحصلت شركات غير مالية على إمكانية أكبر للوصول إلى الأسواق المالية.
وعلى الرغم من وجود فصل بين هذين النوعين من رأس المال، إلّا أنهما لا يزالان مترابطين تماماً. فلطالما اعتمد الإنتاج على الائتمان. ورأس المال المالي هو ببساطة ذلك الجناح من النخبة الذي يمتدّ ويدير ويستفيد بشكل ممتاز من تمديد الائتمان، حتى لو أصبح هذا الربح الأنيق مبالغاً فيه ومرهقاً. وبغضّ النظر عن المدى الذي تبدو فيه الأمْوَلَة غير متوازنة بسبب الإنتاج أو مدى قوة نفوذها، فإن الاقتصاد، كالجاذبية، يقوم على ظروف مادية.
في حالة الركود العالمي، سمحت أسعار الفائدة المنخفضة التي حدّدها الاحتياطي الفيدرالي للدين الأميركي بالنمو أكثر فأكثر، ما أعاق التوسّع العالمي في الإنتاج وزاد من وفرة السلع في كلّ أنحاء العالم. وفي مجال العقارات، كان الإفراط في بناء المنازل، إلى جانب انخفاض الأجور، يعني أن الملايين لن يستطيعوا تحمّل تكاليف أسعار الفائدة الباهظة. وقد أدّت الرهون المُتعثّرة، بدورها، إلى ابتعاد الأكثر فقراً عن المشتقّات المالية، وتبخّر تريليونات الدولارات في هذه العملية. وبدلاً من أن يخلق المال المزيد من المال في حلقات تكنولوجية أو إسكانية لا تنتهي، أكّد الاقتصاد الحقيقي نفسه. وبعبارة ماركس، فإن «رأس المال الخيالي» الذي كان وراء الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية، أصبح سامّاً تماماً.

* ترجمة: لمياء الساحلي
International Socialist Review

المراجع
(1) Jessica Corbett, «Sanders Slams US Inequality as Report Finds Nearly Half of Americans Can’t Afford Basic Necessities», Common Dreams, May 18, 2018
(2) المرجع نفسه
(3) John Bellamy Foster, «The Financialization of Capitalism», Monthly Review 58, no. 11 (2007)
(4) Gillian Tett, Fool’s Gold (New York: Free Press, 2010), 31
(5) كتاب رأس المال، كارل ماركس، المجلّد الثالث.