شكّلت مكافحة التهرّب الضريبي مطلباً دائماً للتيارات اليسارية والنقابات العمّالية، كما شكّلت في أحيان كثيرة عنواناً رئيساً للبيانات الوزارية والبرامج الإصلاحية، إلا أن التهرّب من دفع الضرائب بقي سمة من سمات «الاقتصاد السياسي» في لبنان وأداة من أدواته لإعادة توزيع الثروة والدخل، وبقيت الأرباح والمداخيل محميّة في كنف «السرية المصرفية»، التي لم تعد تسري في الواقع إلا على مراقبي الضرائب والمكلّفين بتحصيلها لدى وزارة المال.

في الفترة الأخيرة، انضم بعض ممثلي الهيئات الاقتصادية والمصرفيين والخبراء الأجانب إلى المطالبة بمكافحة التهرّب الضريبي، وهذا تحوّل جيّد وإيجابي، إلا أنه يأتي في سياق مختلف عن سياقات المطالبة التقليدية. فمع تراكم أخطار العجز في الموازنة العامة وتنامي مديونية الدولة وتصاعد الضغوط النقدية، ظهرت الحاجة إلى زيادة الإيرادات الضريبية، وظهرت معها خيارات لزيادة معدّلات الضرائب على الدخل والأملاك والاستهلاك، وهذا تحديداً مرفوض من قبل هؤلاء، الذين يقترحون بديلاً جاهزاً هو التقشّف في الإنفاق العام، ويزيّنون هذا البديل بمطالبة الدولة بتحصيل إيراداتها من الضرائب والرسوم وفق معدّلاتها القائمة بدلاً من تعديلها وربطها بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية.
تبدو هذه الحجّة مقنعة للكثيرين: فلماذا علينا أن ندفع المزيد من الضرائب والرسوم إذا كان في الإمكان تخفيض النفقات الكبيرة غير المُنتجة، وتخفيض السرقات من المال العام، وتحصيل حقوق الخزينة العامة من الضرائب غير المُجباة والأملاك العامة المصادرة أو المخصخصة؟
في إطار هذه الحجّة، يجري تناقل أرقام فلكية عن التهرّب الضريبي والجمركي والهدر والفساد. يقولون إنها بمليارات الدولارات سنوياً، ويكفي تحصيلها ليصبح العجز صفراً ويتوقف الدين العام عن الانتفاخ. لا يقدّم هؤلاء شرحاً وافياً لهذه «النظرية». يعتمدون التبسيط إلى حدّ السذاجة، وهذا هو مكمن قوّة الحجّة التي يرفعونها ضد أي تفكير بتعديل النظام الضريبي، وجعله أكثر عدالة وكفاءة ومراعاة لفئات الدخل المتوسط والطبقة العاملة.
للأسف، جاء تقرير «بنك عودة» عن الاقتصاد اللبناني في الفصل الثاني من هذا العام في هذا السياق، فعلى الرغم من خلاصته التي حملت عنوان «مكافحة التهرّب الضريبي حاجة ملحّة لأي هبوط آمن في أوضاع المالية العامة»، طرحت التساؤل الملحّ حول «أي توجّه يجب أن تسلك الجهود الإصلاحية الأساسية في بلد يحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، ويقع ضمن العشر الأول حول العالم من حيث نسبة العجز المالي العام إلى الناتج المحلي الإجمالي». إلا أن الإجابة التي قدّمها كانت مُخيّبة، فهو يعترف «أن نسبة الإيرادات العامة الفعلية إلى الناتج المحلي الإجمالي (20% خلال العام الماضي)، تعدّ منخفضة بالمقارنة مع المعدلات العالمية (36% في الاقتصادات المتقدّمة و26% في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية)». إلا أنه يسارع إلى ربط تدني العبء الضريبي في لبنان بـ«فجوة التهرّب الضريبي»، كما يسارع إلى إعدام خيار زيادة المعدلات الضريبية على الأرباح والريوع، لأنه، كما يقول التقرير، «يصعب رفع نسبة الضرائب في اقتصاد يعاني من وهن في مناخ القطاع الحقيقي».
الملاحظة الأولى على تقرير «بنك عودة»، ليست في الموقف الأيديولوجي المُسبق ضد الضرائب ووظيفتها الرئيسة في إعادة توزيع الثروة والدخل، بل في موقفه المُلتبس حول كفاءة النظام الضريبي القائم، ودوره الواضح في «وهن الاقتصاد الحقيقي»، إذ لا يمكن عزل الإعفاءات الضريبية للريع والمضاربات المالية والعقارية والمعدّلات المتدنية على الأرباح التجارية والاحتكارات والامتيازات عن التدهور الكبير الحاصل في إنتاجية الاقتصاد اللبناني وضمور قدراته التنافسية وتدني ناتجه القومي.
بعيداً من هذه المحاججة، يقدّر التقرير حجم التهرّب الضريبي في لبنان بنحو 5 مليارات دولار في عام 2017، أي ما يوازي 10% من مجمل الناتج المحلي. ويخلص إلى أن هذا التهرّب «يوازي العجز المالي العام في لبنان»، ما يوحي أن مشكلة «العجز» لها حلول تقنية - إدارية لا سياسية. وهذه ملاحظة ثانية على التقرير. أمّا الملاحظة الثالثة، فهي بتحديد مكامن التهرّب، وهنا بيت القصيد. فالتقرير يصنّف باب ضرائب الدخل بأنه «أكبر مكمن للتهرّب الضريبي في لبنان»، ويقدّر حجم التهرّب من هذا النوع من الضرائب المباشرة بنحو ملياري دولار، إلا أن المفاجأة هي في لجوئه إلى تضخيم حجم التهرّب من الضريبة على الأجور وتقليص حجم التهرّب من الضريبة على الأرباح، إذ يقدّر التقرير حصّة الأجور من مجمل الناتج المحلي بنحو 35%، في حين يقدّر حصّة الأرباح بنحو 30% فقط. ليس هذا فحسب، بل يذهب التقرير إلى افتراض أن جباية معدّل ضريبة بحدود 10% على مجمل الأجور، يؤمّن إيرادات بقيمة 1.5 مليار دولار، في حين أن الخزينة لا تجبي سوى 600 مليون دولار من هذه الضريبة، ما يعني أن حجم التهرّب من ضريبة الأجور يبلغ 900 مليون دولار. وهو بذلك يتجاهل كلّياً التقديرات التي تفيد أن حصة الأجور من الناتج تقل عن 25% وأن أكثر من 80% من مجمل الأجراء في لبنان تقل أجورهم الشهرية عن مليون و500 ألف ليرة، وتقع بمعظمها ضمن شرائح الأجر المعفية (تقريباً) من الضريبة والتي تستفيد من التنزيلات العائلية وسواها. في المقابل، يقدّر التقرير التهرّب من ضريبة الأرباح بمليار دولار فقط، ويتجاهل أيضاً أن أكثر من 90% من الشركات في لبنان هي صغيرة ومتناهية الصغر، وتتركّز في أنشطة متدنية الإنتاجية وهشّة في الاقتصاد اللانظامي.
ينسحب التضخيم على مكامن التهرّب الأخرى التي يتناولها التقرير، فهو يفترض جباية الضريبة على القيمة المضافة على كامل فاتورة الاستهلاك (1.5 مليار دولار)، ويفترض جباية الرسوم الجمركية على أساس متوسط 13% على كامل فاتورة الاستيراد (500 مليون دولار)، ويطالب بجباية فواتير الكهرباء (700 مليون دولار)، ورسوم تسجيل الشقق السكنية التي يتحمّلها المشترون لا البائعون (200 مليون دولار)، وجباية فواتير الاتصالات السلكية واللاسلكية والرسوم الإدارية (200 مليون دولار).
لا شك أن مطلب مكافحة التهرّب الضريبي يظل شرطاً أساسياً من شروط أي برنامج للإصلاح، ولا شك أن انضمام بعض أطراف البرجوازية اللبنانية إلى هذا المطلب مرحّب به، ولكن ما يتوجّب رفضه هو سعي البعض إلى تحويل هذا المطلب من مفتاح لطرح الإصلاح الضريبي إلى مفتاح لفرض المزيد من الأعباء على الضعفاء من دون غيرهم.