"هكذا نستمر في قوارب ضد التيار، لِنُرمى بدون توقف نحو الماضي"

ف. سكوت فيتزجيرالد في "الجاتسبي الكبير"

أمر لربما غريب يحدث في التحليل الاقتصادي على المستوى العالمي. فبعد عقود من "الفردية" أو "التقنية" في مقاربة الاقتصاد، عادت قضية التقسيم بين الرأسمال والعمل إلى واجهة النقاش الاقتصادي، في محاولة لتفسير لماذا، خلال أكثر من ثلاثين عاماً، انقلبت الموازين لمصلحة الرأسمال بشكل لم تشهده الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة منذ زمن ما عرف بـ"العصر المُذهّب" في أميركا في أواخر القرن التاسع عشر. فهذا الاختلال لم يعد بالإمكان تجاهله اليوم بسبب عمقه، وأيضاً بسبب تهديده للطبقات المتوسطة والعاملة في مواقعها الاقتصادية والاجتماعية (وحتى السياسية)، التي اكتسبتها منذ الحرب العالمية الثانية. كما أمر مهم آخر يحصل على المستوى "الأيديولوجي"، فهذا الاختلال لم يعد بالإمكان تبريره على أنه نتاج "عادل" لعمل الأسواق الحرة التي تبني اقتصادات كفؤة تؤدي إلى تمتع، إن لم يكن الجميع، وإنما الأكثرية الساحقة بالرخاء الاقتصادي.

(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

إذاً، يبدو أن الرأسمالية التي خرجت من أزمة 2008، لكن مثقلة بالمشاكل، تدخل الآن في معضلة أعمق. وهنا يكون ماركس قد عاد في القرن الواحد والعشرين مرتين. الأولى في 2008، عندما تفاجأ العالم بالأزمة والتجأ الكثيرون إليه لفهمها أو حلها. وكانت هذه العودة من منظار نظريات الأزمة عند ماركس الذي وضع أسس النظريات الأساسية في "عدم الاستقرار" كالسمة الرئيسية للرأسمالية. واليوم يعود ماركس مرة ثانية عبر نظرياته التي رأى فيها أن الرأسمالية لا يمكن فهمها إلا عبر عدسة الصراع بين الرأسمال والعمل. في هذا الإطار، يمكننا النظر الى مؤشرين "اختُرعا" أخيراً لتبيان مدى عمق التغييرات البنيوية، التي حصلت في الرأسمالية، ما أعادها إلى أزمان ظن الكثيرون أنها تخطتها خلال عصرها الذهبي منذ عام 1945.

نسبة ماركس
في مقالة في جريدة النيويورك تايمز في 21 أيار 2018 بعنوان "من يربح حالياً في شركتك المفضلة: الرأسمال أم العمل؟"، طرح نيل أروين مؤشراً للجواب عن السؤال سماه "نسبة ماركس" (Marx Ratio)، وهي ببساطة نسبة الربح لكل عامل الى الأجر الوسطي (median) للعمال، واحتسب هذه النسبة في 394 شركة عامة في الولايات المتحدة الأميركية (أي متداولة أسهمها في الأسواق المالية) لأول مرة، وذلك بعد توفر هذه المعطيات نتيجة إصلاح دود ـــ فرانك بعد أزمة 2008. وكان هذا الإصلاح قد أجبر هذه المؤسسات على الإفصاح عن الأجر الوسطي لموظفيها. وقد سمّى أروين مؤشره "نسبة ماركس" لأن هذه النسبة، وإن لم تكن هي نفسها تماماً، هي مشابهة لما سماه كارل ماركس معدل القيمة الزائدة (أو معدل الاستغلال).
ففي قانون القيمة عند ماركس، فإن أصل الأرباح في الرأسمالية هي ليست العائد على الرأسمال أو العائد على المخاطرة أو غيرها، بل هي في ساعات العمل الإضافية التي يعملها العامل، والتي تنتج القيمة الزائدة التي يحصل (أو يستولي كما يحلو للبعض) عليها الرأسمالي، وبالتالي تُحدِّد معدل الربح ومعدل الاستغلال. ومن هنا تأتي أهمية "نسبة ماركس"، إذ إنها طريقة لقياس درجة استخراج القيمة الزائدة على المستوى الجزئي في الاقتصاد الأميركي لم تكن متوافرة حتى الآن. كما أن أهميتها تنبع من أنها تأتي في وقت أصبحت فيه اللامساواة في الدخل على كل لسان وشفة، ما يلقي بالضوء أكثر على دور انقسام الرأسمال ــــ العمل في إنتاج هذه اللامساواة. بعض الظواهر المثيرة للاهتمام في حسابات أروين: في الشركات ذات نسب الرأسمال العالية، فإن معدل الاستغلال فيها أعلى من الشركات ذات الكثافة العمالية. كما أن الشركات التي توظف العمالة الماهرة، مثل الشركات في وول ستريت، لديها نسب أقل من تلك الشركات ذات المقدرة على استعمال العمال ذوي الدوام الجزئي أو المؤقت أو تلك مثل المصارف التي يمكنها الاعتماد على جيش من الموظفين الأقل مهارة. طبعاً، أروين لا يذهب إلى استعمال النسبة لتحليل أو استشراف ما سيحصل، ولكن يمكننا من هذه الأرقام اليوم أن نرى أن التطورات التكنولوجية المتمثلة باستعمال الروبوتات والذكاء الاصطناعي باطراد أكثر ستؤدي الى ارتفاع عوائد ملكية الرأسمال في مجتمع يتجه نحو الكثافة الرأسمالية. كما أن صعود شركات في الاقتصاد الرقمي، والتي تعتمد على عدد قليل من الموظفين نسبة إلى حجمها في السوق، ستتيح للرأسمال أن ينتصر على العمال أكثر وأكثر في المستقبل.

منحنى غاتسبي
أما منحنى "الغاتسبي الكبير" فهو مستوحى من قصة الكاتب الأميركي ف. سكوت فيتزجيرالد التي تتناول الترقي الاجتماعي في المجتمع الأميركي في عشرينيات القرن الماضي، وهو كان قد أطلقه رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في أميركا آلان كروجر في خطاب له في عام 2012، إذ كشف عن علاقة سببية بين اللامساواة الاقتصادية والحراك الاجتماعيsocial) mobility) عبر الأجيال، فزيادة عدم المساواة اليوم تؤدي إلى انخفاض في درجة انتقال الأجيال القادمة إلى طبقات أعلى اجتماعيا. أي أن أبناء الفقراء والعمال اليوم لديهم احتمالات أقل في أن يصبحوا من الطبقة المتوسطة أو الغنية في المستقبل. وتبين أيضاً من المنحنى أن الدول التي لديها قدر أقل من عدم المساواة مثل الدنمارك والنروج وفنلندا لديها حراك أكبر من تلك الدول ذات عدم المساواة المرتفعة مثل التشيلي والبرازيل. وبيّن منحرف غاتسبي أيضاً أن أميركا تعود إلى زمن حيث الحراك الاجتماعي محدود، وبالتالي أصبحت قصة "من الخِرَق إلى الغنى" (from rags to riches) ما هي إلا كذلك "قصة" أو أسطورة. في هذا الإطار أيضاً، بينت دراسة جديدة ومبتكرة للبنك الدولي أن الحراك عبر الأجيال في الدول النامية تباطأ فعليا منذ ستينيات القرن الماضي.
صعود شركات في الاقتصاد الرقمي، والتي تعتمد على عدد قليل من الموظفين نسبة إلى حجمها في السوق، سيتيح للرأسمال أن ينتصر على العمال أكثر وأكثر في المستقبل


على المستوى العام، فإن البعض الذي يدافع عن تلازم الحراك الاجتماعي عبر الأجيال مع الرأسمالية يريد أن يقول أيضاً (أو أولاً) إن هذا الحراك يقضي على المفهوم الماركسي للطبقة كأساس في تحليل البنية الاقتصادية الرأسمالية. فإذا كان هنالك من "سيولة زمنية" في تغير مواقع الأفراد في التراتبية الطبقية، فإن هذه الترابية نفسها، وإن كان لها أهمية اليوم، لن يعود لها أهمية على المدى الطويل. لكن الواقع الذي كشفه المنحنى أن العلاقة بين اللامساواة تشكل جداراً عالياً يصعب تخطّيه ليس فقط للأجيال الحالية، بل القادمة أيضاً. وهذا ما يجعل اللامساواة تنتقل أيضاً بشكل أساسي عبر الزمن إلى التوريث. إذاً، أهمية منحنى غاتسبي أنه يؤشر إلى عودة أهمية الطبقة، ليس فقط اليوم وإنما غداً أيضاً.
كل هذا يتوافق مع التحليل الذي وضعه توماس بيكيتي حول عودة ظهور "السلالات" (dynasties) في الرأسمالية الحديثة التي تسيطر وتستمر لأجيال عدة بدل أن تذوب كما يظن البعض. وفي هذا الإطار، يمكننا فهم مدى خطورة تراكم الثروات الذي يحصل في زمن معين، فيركز الثروة بأيدي القلة بحيث لا يتلاشى، وإما يستمر. مثال على ذلك، في المنطقة العربية تراكم الثروات وتركزها الناجمان عن الثروة النفطية، كما مثال لبنان في التراكم الذي حصل نتيجة الدين العام لدى القلة والمصارف، ما جعلها في موقع اقتصادي مسيطر يصعب إنهاؤه إلا عبر سياسات إعادة توزيع ضخمة.
مع هذين المؤشرين، بالإضافة الى مؤشرات عدة؛ منها معدل مداخيل المديرين التنفيذيين الرئيسيين (CEOs) إلى متوسط دخل العامل في الولايات المتحدة الذي بلغ أخيراً حوالى 271 مرة، وهذا الرقم لا يعكس الفرق في الإنتاجية، بل سلطة هؤلاء على الموظفين واستيلاءهم على حصص أكبر من القيمة الزائدة؛ ومنها تراجع قوة التفاوض الجماعي لدى النقابات وانعكاسها سلباً على الأجور؛ ومنها ما بيّنته دراسة أخيراً أن قوة احتكار الشركات في سوق العمل تؤثر سلباً على الأجور، يصبح لدينا خليط من المؤشرات والبنى والصراعات تأتي كلها كالطوفان ولا يمكن فهمها إلا من خلال قراءة رأس المال الذي أرسى قانون القيمة، الذي يحكم ديناميكيات الرأسمالية بالأمس واليوم وغداً؛ فلا نهاية لانقسام الرأسمال ــــ العمل ولا لمفاعيله إلا بانتهاء الرأسمالية نفسها.