في كل مناسبة، يُردّد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عبارة لطمأنة الخائفين من انهيار سعر صرف الليرة: «لبنان يستطيع تمويل نفسه ولكن بكلفة أعلى... وليس هناك انهيار». طبعاً، لكي تعطي هذه العبارة مفاعيلها «السحرية»، يجدر ألا نتحدّث عن الكلفة، كم هي مرتفعة؟ وعلى حساب من؟ وهل لدينا القدرة على تحمّلها إلى ما لا نهاية؟ وفق السيناريو الذي اعتمده صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير (غير المنشور) تظهر الكلفة على شكل دين خارجي مخيف، سيصل إلى نحو 150 مليار دولار في عام 2023، أو أكثر 216% من مجمل الناتج المحلي.

«إجمالي الدين الخارجي، في أي وقت، هو الجزء غير المُسدّد من الخصوم الفعلية الجارية، لا الاحتمالية، المُستحقّة على مقيمين في اقتصاد ما تجاه غير المقيمين، والتي تقتضي من المدين أداء مدفوعات لسداد أصل الدين و/ أو الفائدة عند نقطة أو نقاط زمنية في المستقبل».


هذا هو التعريف لمجموع الدين الخارجي، الذي اعتمدته «فرقة العمل المشتركة» بين 9 وكالات معنية بالإحصاءات المالية، والتي تضمّ منظّمات تابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ونادي باريس، بالإضافة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التسويات الدولية، وهو يعني أن الدين الخارجي المُترتب على اقتصاد ما لا ينحصر بأدوات الدين السيادية، أي مديونية الدولة، بل يشمل أيضاً العملات الأجنبية وودائع غير المُقيمين في المصارف المحلية، فضلاً عن القروض وسندات الدين وحقوق السحب الخاصة وغيرها من الالتزامات... بمعنى أكثر وضوحاً، فإن «كل الالتزامات المُستحقّة على مقيمين لغير المقيمين هي دين خارجي على الاقتصاد».
طبعاً، ليس هناك حاجة إلى الاستفاضة في سرد المخاطر الناتجة عن الدين الخارجي وتزايده المطرد. تكفي الاستعانة بمثلين معروفين يتم تداولهما على نطاق واسع: الدين عموماً هو التعبير عن أن «استهلاكنا يفوق إنتاجنا»، والدين الخارجي تحديداً هو التعبير عن أننا «مرهونون للخارج في تمويل معيشتنا». في مطلق الأحوال، تتفق الآراء كلها على أن تجاوز مستوى الدين الخارجي حدوداً معيّنة يضع الاقتصاد تحت تأثير الصدمات الخارجية ومشكلات الملاءة والسيولة والتضخّم... ويزيد الهشاشة ويستنزف الموارد المُتاحة ويعمّق اللامساواة في توزيع الدخل والثروة.
انطلاقاً من هذا التعريف، يمكن فقط فهم ما يقصده حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كلّما طمأننا إلى أن «لبنان يستطيع تمويل نفسه، ولكن بكلفة أعلى». فالكلفة هنا تظهر على شكل دين خارجي مهول، لا يمكن لأيّ «حريص» أن يقبل بتسديده ثمناً للمحافظة على نموذج من الاقتصاد السياسي يشكو منه أكثرية المقيمين في لبنان.
وفق توقعات صندوق النقد الدولي (تقرير مشاورات المادة الرابعة مع لبنان - 2018)، سينمو مجمل الناتج المحلي الاسمي من 51.5 مليار دولار في عام 2017 إلى 68.3 مليار دولار في عام 2023، أي إنه سيزداد في السنوات الخمس المقبلة بقيمة 16.8 مليار دولار. إلا أن مجموع الدين الخارجي (بما فيه ودائع غير المقيمين) سيرتفع في الفترة نفسها من 101.9 مليار دولار إلى 147.5 مليار دولار، أي بما قيمته 45.6 مليار دولار، وسترتفع نسبته من مجمل الناتج المحلي من 198% إلى 216%. وكذلك سيستمرّ الحساب الجاري (صافي ميزان التعاملات بين لبنان والخارج) بتسجيل عجوزات سنوية تصل نسبتها إلى ربع الناتج المحلي، أي إن الاقتصاد اللبناني يترتب عليه الحصول على تمويل خارجي كل سنة تتراوح قيمته بين 14 مليار دولار و16 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة، وهو ناتج بمعظمه عن تمويل عجز الميزان التجاري (صافي صادرات وواردات السلع والخدمات).
طيلة السنوات السابقة، كان صندوق النقد الدولي يؤمّن التغطية لهذا النموذج التمويلي، طالما أنه يساهم في تراكم رأس المال المالي ويسمح للاقتصاد اللبناني بلعب دوره المطلوب في خدمة اقتصاد إقليمي أوسع، تقوده الثروات النفطية والصراعات على ريوعها، وبالتالي لا يقف الصندوق موقفاً معارضاً للنموذج بذاته، وإنّما توقّعاته المذكورة، المتزامنة مع توقعات على صعيد العالم بارتفاع كلفة التجارة وأسعار النفط ومعدلات الفائدة وتغيّر خريطة التدفقات الرأسمالية واستمرار النمو الاقتصادي الضعيف وتباطؤ التحويلات، جعلت صندوق النقد الدولي غير واثق من قدرة مصرف لبنان على مواصلة «اللعبة النقدية» نفسها، وضمان شرطها الرئيس: تثبيت سعر صرف الليرة إزاء الدولار، التي سمحت حتى الآن بتأمين التمويل عبر تعظيم مديونية الاقتصاد اللبناني إزاء الخارج. يعتقد خبراء الصندوق أن الضغوط المُحتملة ستؤدي إلى تخفيض الاحتياطات الأجنبية (ما عدا الذهب) من نحو 40.6 مليار دولار في نهاية عام 2017 إلى 18.6 مليار دولار في عام 2023، وبالتالي ستتراجع تغطيتها للواردات (سلع وخدمات) من 14 شهراً إلى 5 أشهر، كذلك ستتراجع تغطيتها للودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف المحلية من 35% إلى 12%.
المشكلة في مقاربة حاكم مصرف لبنان أنه يعتبر أن كل ذلك ليس بمشكلة كبيرة، بمعنى أنه لا ينظر إلى الدين الخارجي بوصفه مصدر خطر، بل بوصفه السمة الأساسية للنظام السياسي والاقتصادي والمالي القائم في لبنان، وبالتالي هو يعتبر أنه يقوم بدوره كاملاً في خدمة هذا النظام. أمّا صندوق النقد الدولي فقد عاد، بعد عشرين سنة، إلى الإقرار بعدم قدرة هذا النظام على مواصلة تمويل نفسه بهذه الكلفة الباهظة، ولا بد أن تحلّ النهاية في يوم ما، فليس في المسألة أي سحر: ففي الحصيلة هناك عجز في الميزان الجاري (الثابت قياساً على الناتج المحلي لأسباب سياسية واجتماعية) يجري تمويله بالدين الخارجي (وأهمّ مكوّناته الودائع)، تاركاً «الاحتياطيات» تتآكل في مقابل تراكم حاجات التمويل السنوي... فحتى تستمرّ «اللعبة» لأطول وقت ممكن، يتوجب على المقيمين في لبنان استجداء «عجيبة» أو قبول تسديد كل هذه الكلفة: مزيد من التقشّف والخصخصة وزيادة الضرائب غير المباشرة وتخفيض الأجور وزيادة البطالة والفقر والهجرة لمن استطاع إليها سبيلا.