«بنفس الطريقة التي خلق الله بها حواء لإعطاء المتعة لآدم، خلق رأس المال ربّة البيت لخدمة العامل جسدياً وعاطفياً وجنسياً، ولتربية أبنائه (أبنائه هو) وإصلاح جواربه ودعم وتعزيز أناه المسحوق في العمل والعلاقات الاجتماعية (التي هي غالباً علاقات وحدة وعزلة) التي خصّصها له رأس المال»

سيلفيا فيديريتشي

تُخصص النساء في الدول العربية 320 دقيقة يومياً على عمل الرعاية من دون أجر، في مقابل 70 دقيقة فقط للرجال، وبذلك تُسجّل المنطقة الهوّة الأعلى عالمياً في هذا المجال، وفقاً للتقرير الأخير الصادر عن منظّمة العمل الدولية بعنوان «عمل الرعاية ووظائف الرعاية من أجل مستقبل العمل اللائق». ويُشكّل هذا العامل السبب الأهمّ لخروج النساء من سوق العمل، إذ إن 73% من النساء في الدول العربية هن خارج سوق العمل لأنهن مُنخرطات في عمل الرعاية من دون أجر، بينما هذا السبب هو شبه غائب بالنسبة إلى الرجال غير الناشطين. فتلك النساء يُعتبرن في الإحصاءات غير ناشطات اقتصادياً وربّات منازل، فيما هنّ عاملات يعملن من دون أي مقابل.


وفق منظّمة العمل الدولية، يشمل عمل الرعاية نوعين متقاطعين من الأعمال: النشاطات الرعائية المباشرة الشخصية والعلاقاتية كإطعام الأطفال أو الاعتناء بأفراد الأسرة المرضى، والنشاطات الرعائية غير المباشرة كالطبخ والتنظيف. وتكون هذه الأنشطة غير مدفوعة الأجر حين يقوم بها أحد أفراد الأسرة، وفي معظم الأوقات النساء، أي لا تحتسب ضمن الناتج المحلي وتبقى عملاً غير مرئياً. ولكن عندما يقوم بها أحد من غير أفراد الأسرة مقابل بدل مالي تصبح عملاً، وتحتسب ضمن مؤشّرات سوق العمل والحسابات الوطنية. وتُقدّر منظّمة العمل الدولية، بناءً على بيانات 53 دولة تمثّل 63.5% من السكان عالمياً، أن قيمة العمل المنزلي من دون أجر تصل إلى 9% من الناتج العالمي إذا احتُسِبَت قيمة ساعة العمل على أساس الحدّ الأدنى للأجور.
لا ينحصر تأثير عمل الرعاية من دون أجر بقرار أو إمكان دخول الأشخاص، ولا سيما النساء، إلى سوق العمل، بل يؤثر أيضاً بظروف عمل الأشخاص الناشطين اقتصادياً. ففضلاً عن العمل العاطفي والنفسي الذي تؤدّيه مُقدّمات الرعاية من دون أجر، تواجه عاملات الرعاية من دون أجر ظروف عمل أسوأ من سائر العاملين الذين لا يؤدّون أعمال رعاية. على سبيل المثال، تواجه النساء غرامة الأمومة، إذ إن الأمّهات يوجَدن أقل في سوق العمل من غير الأمّهات، وبطبيعة الحال أقل بكثير من الآباء في العالم وفي المنطقة العربية. كذلك إن النساء الموجودات في سوق العمل واللواتي يقدّمن الرعاية من دون أجر يواجهن ظروف عمل أسوأ من أقرانهن الرجال. في الدول العربية 49% فقط من النساء في سوق العمل اللواتي يقدّمن الرعاية، هنّ أجيرات في مقابل 65% من الرجال، و35% منهن يعملن لحسابهن الخاص في مقابل 23.8% للرجال. وتبيّن هذه الأرقام انعدام الاستقرار في سوق العمل للنساء، حيث إن أقل من النصف فقط لديهن أجر ثابت، ونسبة كبيرة منهن يعملن في أعمال لا نظامية وهشّة متمثلة بالعمل لحسابهن الخاص، وهي أعمال تضمن لهن المرونة في ساعات العمل كي يتمكنّ من التوفيق بين توفير دخل وتأدية الأعمال المنزلية.
ولكن أبرز ما تبيّنه دراسة منظّمة العمل الدولية دون ذكره، هو التأثير المحدود، أو حتى الهامشي، لدخول النساء إلى سوق العمل على تقسيم الأعباء المنزلية، ما يطيح ما كانت وما زالت تروّج له المنظومة النيوليبرالية بأن إدخال المرأة إلى سوق العمل والتوعية وحدهما كفيلان بإصلاح الاختلال في علاقات القوة بين النساء والرجال. ففيما لم يتغيّر تقسيم الأعباء المنزلية بين الرجال والنساء بين عامي 1997 و2012، حيث إن 63% من الدقائق اليومية المُخصّصة للأعمال المنزلية تؤديها النساء مقابل 37% للرجال، ارتفعت حصة النساء من الوقت المُخصّص يومياً للعمل بأجر أو للربح من 29.6% إلى 32.5% أي ما يوازي ساعة وأربعين دقيقة يومياً. أي بمعنى آخر، انخرطت النساء أكثر في سوق العمل، ولكن لم يؤثّر ذلك بعملهن الرعائي من دون أجر. ويبيّن التقرير مجدّداً دون ذكر ذلك، أهمية العمل الرعائي من دون أجر للنظام الرأسمالي. إذ إن التقسيم الجنسي للعمل، وتخصيص النساء للعمل الرعائي من دون أجر يوفّر على رأس المال كلفة إعادة إنتاج القوى العاملة وضمان عودة العمّال إلى عملهم وإنتاجيتهم، وغيرها من الأمور التي يوفّرها عمل الرعاية من دون أجر. فحتى مع انخراط النساء أكثر في سوق العمل، ما زالت مهمّة إعداد وإعادة إنتاج القوى العاملة موكلة إليهن. فليس من قبيل الصدفة أن تكون البلدان التي تشهد المشاركة الأكبر بالأعباء المنزلية بين النساء والرجال كالسويد (%57 للنساء مقابل 43% للرجال) والنرويج (%58 للنساء مقابل 42% للرجال) هي نفسها البلدان التي لديها حصة الضرائب نسبة للناتج المحلي الأعلى بالعالم (%44.1 للسويد و41.9% للنرويج)، ما يمكّنهما من تنفيذ سياسات رعائية عميقة، حيث تصل نسبة الإنفاق العام على الرعاية في السويد والنرويج إلى 9% و7% من الناتج المحلي وهي من الأعلى عالمياً أيضاً.
إصلاح الاختلالات في علاقات القوة وتقسيم الأعباء الرعائية بين الرجال والنساء لا يمكن أن يُختزل بثنائية مشاركة المرأة في سوق العمل والتوعية، بل يمرّ حتماً بمقاربة العمل المنزلي من دون أجر من منظور الوظيفة التي يؤدّيها لخدمة رأس المال.
* [email protected]