5

أسباب الكساد المُتفاقم بعد 2008
مثّلت كتابات توماس بيكتي (2014) ولورانس سامرز (2014) محاولتين نيو-كلاسيكيتين لفهم أسباب الكساد المُتفاقم وتوقف النمو في العالم الغربي. وقدّم الما-بعد كينزيون قراءتهم لهذه الأسباب.

قراءة بيكتي
أصدر الباحث الفرنسي توماس بيكتي عام 2014 كتاباً ركّز فيه على التحوّلات في توزّع الدخل كسبب للكساد المُتفاقم في الغرب. حاول إثبات أن معدل نمو الربح كدخل على امتداد العقود الماضية كان أعلى من معدّل نمو الناتج، الأمر الذي كان يحصر المداخيل بفئة ضيّقة من الناس في شكل متزايد (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 5). جاء صدور الكتاب في حقبة كانت تشهد تنامي الاحتجاجات ضد سيطرة أصحاب الريوع المالية، عبّرت عنها التظاهرات ضد وول ستريت. الأمر الذي أسهم في الدعاية للكتاب الذي بيع منه مليونا نسخة.
قدّم بيكتي قراءة لأسباب توقّف النمو على نقيض ما جاءت به المدارس الاقتصادية العريقة. كان انخفاض الربح هو السبب في توقف الاستثمار والنمو في المدرسة الكلاسيكية وفي الماركسية وفي الكينزية. عند ريكاردو يتسبّب ارتفاع الريع العقاري في خفض حصّة الربح من الدخل الوطني وفي توقف الاستثمار. وعند ماركس يؤدّي حلول الماكينات محل الناس إلى انخفاض فائض القيمة والربح وتوقّف الاستثمار الخاص. وعند كينز يقتطع أصحاب الريوع المالية حصّة كبيرة من الدخل على حساب فئتي الأرباح والأجور في الدخل الوطني ويتسبّبون بالانكماش الاقتصادي والكساد الطويل الأجل. أما بيكتي فقد أراد إظهار أن المشكلة هي في ارتفاع كتلة الأرباح في شكل مطرد وثابت.
لم يوافق الباحثون بيكتي على أن حصّة الأرباح كانت ترتفع على الدوام على حساب فئات الدخل الأخرى. وهو ما أثبتته تجربة «الثلاثون المظفّرة» التي شهدت انخفاض الحصّة النسبية للأرباح تجاه الأجور في الدخل الوطني (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 6). كما أظهر هؤلاء الباحثون مشكلات منهجية عدّة في عمل بيكتي. حاول هذا الأخير إثبات أن حصّة الربح كانت لا تفتأ تزداد نتيجة لتراكم رأس المال المادي، ولو أن الإنتاجية الحديّة لهذا الأخير تنخفض مع ازدياد حجمه في الاقتصاد، كما تقول المدرسة النيو-كلاسيكية. ولكي يتحقّق ذلك، لا بدّ أن يكون الاستبدال على الدوام بين الماكينات والعمل لصالح الأول على حساب الثاني. وهو أمر ناقضته الوقائع (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 6).
والأكثر إشكالية في كتاب بيكتي استخدامه تعريفات جديدة وغير معهودة لفئتي أصحاب الريوع والربح. يتضمّن الأولون أصحاب مشاريع صناعية. أما الربح عنده فهو ليس الدخل المتولّد عن الاستثمار في زيادة رأس المال المادي كما هي الحال في المدرسة الكلاسيكية وفي الماركسية وفي الكينزية، بل خليط من المداخيل يجتمع فيه الريع العقاري مع أرباح المنشآت الصناعية ومع مداخيل أصحاب الريوع المالية (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 7). ويؤدّي وضع أصحاب الريوع المالية وأصحاب المشاريع في فئة واحدة وتعيين دخل واحد لهما هو «الربح» إلى جعل إمكان استخراج سياسة اقتصادية بديلة من كل هذه التحاليل غير مُمكن.

قراءة النيو-كلاسيكيين
جرى التخلّي منذ التسعينيات عن «معدّل البطالة الطبيعي» أو «معدّل البطالة المتوائم مع معدّل تضخّم ثابت» (NAIRU) كمؤشّر لتحريك أسعار الفائدة من المصارف المركزية. وفي إطار حاجة هذه المصارف إلى مؤشّر لتحريك هذه الأسعار، جرت العودة مجدّداً إلى فيكسال و«معدّل الفائدة الطبيعي» الذي اقترحه. حقّق الباحثون النيو-كلاسيكيون ما لم يتمكّن فريدمان من تحقيقه عام 1968، أي بلورة «معدّل فائدة طبيعي». وقد استعاض عن ذلك بـ«معدّل البطالة الطبيعي» كما سبقت الإشارة.
وتبلور «لجنة الأسواق المفتوحة» في المصرف المركزي الأميركي «معدّل فائدة طبيعي» هو نفسه الذي اقترح فيكسال العمل به (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 3). أي إن المصارف المركزية المجمِعة على الإبقاء على هدف الصفر-تضخّم تُجمِع أيضاً على اعتماد أسعار الفائدة حصراً للتأثير في الوضع الاقتصادي ورفع معدّلات النمو. وعلى خلاف ما حصل في مطلع الثمانينيات من رفع جنوني لأسعار الفائدة، فإن أسعار الفائدة باتت منذ سنوات في الحضيض. وهو ما يعبّر عنه معدّل الفائدة الاسمي للمصرف المركزي الأميركي الذي تم اعتماده بعد 2012، وهو 4% مع أخذ بالاعتبار لمعدّل تضخّم يساوي 2% ما يجعل معدّل الفائدة الحقيقي 2%. وقد تم خفض هذا المعدّل إلى 1.75% بعد ذلك. وذلك قبل بلورة سياسة «التسهيل الكمي» (Q.E.) التي رمت إلى ضخ سيولة في الاقتصاد تتسبّب برفع لمعدّل التضخّم، الأمر الذي يخفّض معدّلات الفائدة الحقيقية على نحو إضافي. والهدف من كل هذا الخروج من حالة الكساد المتفاقمة بعد 2008.

حفز الاستثمار المنتج أولوية وطنية لا يعلوها أولوية على أن تتولى الدولة هذا الإستثمار مباشرة


أي إن أسعار الفائدة تشكّل محور تفكير الباحثين النيو-كلاسيكيين في بحثهم عن أسباب الكساد وبحثهم عن سبل حفز النمو. ويبدو نقاشهم سوريالياً بعض الشيء حين يعوّل على تحريك لسعر الفائدة المرجعي بنسبة 0٬25% بهدف حفز النمو والوصول به إلى حالة من الاستخدام الكامل للقوى العاملة. ويستخدم بول كروغمان مفهوم «فخ السيولة» أو «خندق السيولة» (liquidity trap) للإشارة إلى بلوغ سعر الفائدة مستوى سالباً يمنع استخدامه للتأثير في الاقتصاد.
ويبحث لورانس سامرز عن التغييرات التي طرأت على سوق التسليفات ورفعت الادّخار وخفّضت الاستثمار وجعلت أسعار الفائدة غير قادرة على إعادة التوازن بين الاثنين، وكل ذلك انطلاقاً من القناعة بأن سعر الفائدة يتحدّد وفقاً لعلاقة موضوعية بين العرض لأدوات التمويل والطلب عليها، ووفقاً لـ«قوانين موضوعية» (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 4). أما مفهوم «خندق السيولة» فهو مهمّ لتعريف واقع الاقتصادات الغربية حالياً حيث يترافق انخفاض سعر الفائدة مع تحوّل للطلب على النقد خارج حاجات الاستثمار الفعلي. الأمر الذي يجعل التعويل على أدوات السياسة النقدية من دون غيرها مجرّد هراء.

قراءة الما-بعد كينزيين
في نصهما لعام 1989 المخصّص لعرض أفكار كينز، استخدم الباحثان سيكاريسيا ولافوا «مؤشّر بازينتي» لقياس تحويل الثروة بواسطة أسعار الفائدة المرتفعة من القطاع غير الريعي إلى القطاع الريعي في الاقتصاد. حين يتجاوز معدّل ارتفاع أسعار الفائدة معدّل ارتفاع إنتاجية العمل، أي الناتج مقسوماً على عدد العاملين، يحصل هذا التحويل (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 62). وقد حصل ذلك خلال الثلاثينيات وتسبّب بالكساد الكبير. وأوصل ارتفاع أسعار الفائدة بنسبة أعلى من ارتفاع إنتاجية العمل خلال الثمانينيات إلى «انكماش متمادي» على مدى العقد (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 63). وفي نصهما لعام 2015 استعاد الباحثان طريقة القياس نفسها لتأكيد استمرار التحويل للثروة في شكل كثيف حتى منتصف التسعينيات، وبدرجة أقل حتى 2008، وذلك في بلدان ثلاثة هي فرنسا وكندا والولايات المتحدة (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 15). وقد أكدت دراساتهما كما دراسات التيار الما-بعد-كينزي أن مشكلة الكساد في الاقتصادات الغربية تعود إلى التحوّل في توزيع الثروة الذي حصل على مدى العقود الأربعة الماضية لمصلحة أصحاب الريوع المالية على حساب المنتجين، أي أصحاب المشاريع والعاملين بأجر.
أما الحل لمأزق هذه الاقتصادات ومأزق النمو في مجمل العالم الغربي والعالم في وجه عام، فيكون بالنأي عن البحث في أسعار الفائدة ودورها. وهو يتطلّب إعادة الاعتبار للاستثمار المُنتج. وقد وجد كينز حلاً لمعضلة الكساد الكبير قبل 80 عاماً بـ«تأميم الاستثمار». أي بتولّي الدولة مسؤولية الاستثمار إزاء التحوّل في طبيعة الاقتصاد واستيلاء أصحاب الريوع المالية على مقدّرات الاقتصادات الغربية.
اقترح كينز إنشاء مؤسّسات حكومية تتولّى تحديد الاستثمارات الحكومية المطلوبة ووضعها موضع التنفيذ. وطالب بأن يكون ذلك من ضمن عملية إصلاح مؤسّساتية شاملة تتضمّن خلق مؤسّسات جديدة (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 59؛ 2015: 18).
وركّز سميثين على إظهار ما أغفلته القراءات النيو-كلاسيكية لكينز، ألا وهو مطالبة هذا الأخير بأن يكون هناك على الدوام موازنتان حكوميتان، واحدة للإنفاق الجاري والأخرى للاستثمار الحكومي الطويل الأجل (سميثين، 1993: 208). ويؤمّن هذا الشقّ من الاستثمار خصوصاً في ميادين التقدّم التقني، رفع إنتاجية العمل ورفع معدّل نمو الناتج وتوفير عمالة كاملة. وهذا ما ينبغي كما يقول سيكاريسيا ولافوا أن يكون محطّ الاهتمام بدلاً من الاستمرار بالتركيز على أسعار الفائدة.
6
كيف نُترجم أفكار كينز إلى برنامج وطني؟

يكون ذلك أولاً بجعل الاستثمار المُنتج وحفزه أولوية وطنية لا تعلوها أولوية أخرى، على أن تتولّى الدولة هذا الاستثمار في شكل مباشر، أو من خلال إشرافها عليه بالحوافز التي تقدّمها للقطاع الخاص.
ويكون ثانياً بإنشاء مؤسّسات حكومية جديدة تكون مهمتها بلورة الأفكار ووضع خطط لاكتساب المقدرة التكنولوجية على المستوى الوطني، بما يتيح إنتاج سلع ترسملية أو ماكينات، على غرار ما حصل في البلدان التي «أتت متأخّرة إلى التصنيع» (داغر، 2018).
ويكون ثالثاً ببلورة مقاربة للإصلاح الإداري تُحدّد شروط وآليات تنسيب الكادرات العلمية في المؤسّسات الجديدة، من خلال جعل معياري الاستحقاق والكفاءة شرطين رئيسيين للانتساب إلى هذه المؤسّسات.
وينبغي أن يكون موضوع الإصلاح الإداري محطّ اهتمام وتركيز الباحثين الجدّيين، خصوصاً أنه لا توجد حتى الآن دراسات حول هذا الموضوع. وفي غياب تصوّر جدّي للإصلاح الإداري سيبقى التناحر بين المتسلّطين على الإدارة العامة جاثماً على صدور اللبنانيين. وسيبقى المتسلّطون من دون مساءلة أو محاسبة، وسيغيب أي أمل للبنانيين بإمكان اجتراح مستقبل أفضل لبلادهم.
كلّ هذه الأمور لا تقع في دائرة اهتمام النخبة السياسية والاقتصادية الراهنة. أما طرحها فلربّما يُنشئ رأياً عاماً يحقّق في يوم ما إصلاحاً سياسياً هو شرط الإصلاح الاقتصادي.

* المراجع
Chang Ha-Joon٬ «Introduction»٬ in H-J Chang&B. Rowthorn (eds.)٬ «The Role of the State in Economic Change»٬ Oxford univ. Press٬ Oxford٬ 1995; reprinted as «Theories of State Intervention in Historical Perspective» in H-J Chang٬ Globalization٬ Economic Development and the Role of the State٬ Zed Books٬ London٬ 2003.
Dornbusch Rudiger٬ Stanley Fischer٬ Macroeconomics٬ McGraw-Hill٬ Fifth edition٬ 1990.
Dumez H.٬ A. Jeunemaître٬ Diriger l’économie: L’Etat et les prix en France٬ 1936-1986٬ L’harmattan٬ 1989.
Lavoie Marc٬ «Crise financière٬ répartition des revenus et relance par les salaires»٬ Cahiers de Recherche Sociologique٬ N. 55٬ 2013٬ pp. 19-41.
Lavoie Marc٬ «Etat social٬ employeur de dernier recours et théorie post-keynésienne»٬ Revue française de Socio-Economie٬ 2009 (3)٬ 55-75.
Seccareccia M. and M. Lavoie٬ «Income Distribution٬ Rentiers and their Role in a Capitalist Economy: A Keynes-Pasinetti Perspective»٬ in Institute for New Economic Thinking (INET) Conference: Liberté٬ Egalité٬ Fragilité٬ Paris٬ April 8-11٬ 2015.
Seccareccia M.٬ M. Lavoie٬ «Les idées révolutionnaires de Keynes en politique économique et le déclin du capitalisme rentier»٬ in Economie Appliquée٬ n. 1٬ 1989٬ pp. 47-69.
Seccareccia Mario٬ «On the Intellectual Origins of Keynes’s Policy Radicalism in the General Theory»٬ History of Economic Ideas٬ Vol. 1٬ no. 2٬ 1993٬ pp. 77-104.
Seccareccia Mario٬ AlainParguez٬ «Les politiques d’inflation zéro: la vraie cause de la hausse tendancielle du chômage dans les pays occidentaux»٬ WorkingPapers- Département de sciences économiques-Université d’Ottawa٬ 22 pages٬ 1998.
Smithin John٬ «La composition des dépenses publiques et l’efficacité de la politique budgétaire»٬ in P. Paquette٬ M. Seccareccia (dir.)٬ Les pièges de l’austérité٬ Presse de l’Univ. de Montréal٬ P.U.G.٬ 1993٬ pp. 201-217.
Toye John٬ «Development Policy in the Shadow of Keynes»٬ in J. Toye٬ Dilemmas of Development: Reflections on the Counter-Revolution in Development Economics٬ Blackwell٬ Oxford٬ Second Edition٬ 1993٬ pp. 44-67.
ألبر داغر، «نحو سياسة تصنيع متأخّر»، الأخبار، 23/04/2018.