1


راديكالية كينز
لا يمكن فهم راديكالية كينز إلا بالنظر إلى الشروط القائمة لحقبة ما بين الحربين العالميتين. عاش كينز في ظروف استثنائية مثلتها هيمنة أصحاب الريوع المالية ورأس المال المالي خلال تلك الحقبة. وقد وصلت الأوضاع خلال الثلاثينيات إلى حدّ أن أكثر من نصف القوى العاملة في بلدان غربية رئيسية وجد نفسه من دون عمل. حمل كينز على عاتقه التصدّي للرأسمالية المنحطّة وإصلاحها من داخلها.
لم ينطلق كينز من العدم على صعيد النظرية. بنى على النقاش الدائر منذ أواخر التاسع عشر بين «المدرسة المصرفية» (banking school) التي تؤمن بأهمية النقد للتسليف، وبين «المدرسة النقدية» (currency school) التي تبنّت موقف المدرسة الكمية في النقد (َquantitive theory) والتي لا تعترف بأي دور للنقد في تحقيق النمو. وبنى على وجه الخصوص على أعمال المدرسة المؤسساتية الأميركية وأهم أعلامها فابلن (Veblen) (سيكاريسيا، 1993).

(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

انعكست راديكالية كينز في طروحاته النظرية التي وقفت على طرفي نقيض من النظرية النيو-كلاسيكية السائدة. تبدّى ذلك في تحليلاته حول سعر الفائدة والتضخّم والتمييز بين المنتجين في الاقتصاد، وهم الرأسماليون والعاملون بأجر، وبين غير المنتجين، وهم أصحاب الريوع المالية (financial rentiers) الذين تمثّل الفوائد دخلهم. وانعكست راديكاليته على وجه الخصوص في مقترحه الرئيسي الذي تضمّنه كتابه الشهير لعام 1936، «النظرية العامة» حول «تأميم الاستثمار». والمقصود بذلك تولّي الدولة مسؤولية الاستثمار على المستوى الوطني، إذا فقد القطاع الخاص تفاؤله وامتنع عن الاستثمار، أو إذا تحوّل أصحاب المشاريع إلى مضاربين في البورصة واكتسب الاقتصاد صفة ريعية طاغية.
لا يتحدّد سعر الفائدة عند كينز وفق قوانين موضوعية تسمّى «قوانين السوق». هو يعكس بالأحرى الخيارات المُعتمدة في ميدان السياسة الاقتصادية. يُحدّد المصرف المركزي أسعار الفائدة في المدى القصير ويشرف على حركتها، عاكساً بذلك التوافقات على المستوى الوطني (conventions) بهذا الشأن، وطبيعة القوى التي لها الدور الأساس في تعيين الخيارات الاقتصادية (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 51).
وخلال «الثلاثون المظفّرة» بعد الحرب العالمية الثانية كانت معدّلات الفائدة الحقيقية أقرب إلى الصفر أو دون الصفر، عاكسة بذلك سيطرة الأحزاب العمّالية على القرار الحكومي وحقبة دولة الرعاية. وعكست أسعار الفائدة التي ارتفعت في شكل جنوني بعد 1980 عودة القوى المحافظة وأحزاب اليمين إلى الإمساك بالقرار الاقتصادي وعودة أصحاب الريوع المالية ورأس المال المالي للتحكّم بهذا القرار.
كان كينز يعتبر أن رفع أسعار الفائدة هو مجرّد وسيلة لنقل الثروة من القطاع غير الريعي، ممثلاً بأصحاب المشاريع والعاملين بأجر، إلى القطاع الريعي، ممثلاً بأصحاب الريوع المالية. وكان يرى أن أسعار الفائدة يجب أن تكون أقرب إلى الصفر، ويدعو إلى زوال فئة أصحاب الريوع المالية (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 55).
نقع على تفارق كامل بين كينز والمدرسة النيو-كلاسيكية في شأن التضخّم. عند أتباع هذه المدرسة، التضخّم هو ظاهرة نقدية تنجم عن الإسراف في خلق النقد. أما كينز فيميّز بين التضخّم غير الخطير الذي ينجم عن نقص مؤقت في العرض أو زيادة في الطلب، والتضخّم الجدّي الذي يعكس الصراع بين القوى الاجتماعية على اقتناص حصة أكبر من الدخل الوطني. أما التصدّي للتضخّم فلا يكون عند كينز من خلال السياسات النقدية التقشفية التي تقوم على رفع أسعار الفائدة. وهو يرى الحل بتجميد الأسعار والأجور، مُعتبراً السياسات التقشفية التي تخفّض الطلب وتخلق البطالة لاحتواء التضخّم وسائل بربرية (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 52).
واعتمدت بلدان غربية كثيرة وسيلة تجميد الأسعار لمواجهة التضخّم، قبل اكتساح السياسات النيو-ليبرالية للعالم بعد 1980. واعتمدت فرنسا تجميد الأسعار وسيلة على مدى 50 عاماً متواصلة (1936-1986) (ديميز وجونماتر، 1989).
ودأبت المدرسة النيو-كلاسيكية في استعادتها لفكر كينز على محو تمييزه بين قطاع ريعي وقطاع غير ريعي في الاقتصاد، وإغفال تشديده على التمييز بين الربح (profit) كدخل لأصحاب المشاريع والفائدة (financial rent) كدخل لأصحاب الريوع المالية (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 62). سمّى كينز في كتابه لعام 1936 أصحاب الريوع المالية «مستثمرون من دون وظيفة» (سيكاريسيا ولافوا، 2015: 8). لا يستفيد هؤلاء فقط من ارتفاع أسعار الفائدة لنقل الثروة إليهم، بل يمتنعون عن الاستثمار المُنتج. وفي حين يكون الاقتصاد بأمسّ الحاجة لخلق منشآت صناعية ووظائف، يخصّص هؤلاء ثرواتهم للشراء والمبيع في أسواق البورصة. وهم يفاقمون حالة الكساد بجعلهم المستثمرين أو أصحاب المشاريع يقتدون بهم ويتخلّون عن الاستثمار المُنتج. ويعكس هذا التمييز بين الفئتين عنصراً جوهرياً في فكر كينز وهو إصلاح الرأسمالية من داخلها. ويكون هذا الإصلاح بتحويل «رأسمالية أصحاب الريوع المالية» (capitalisme de rentiers) التي سادت بين الحربين إلى «رأسمالية أصحاب المشاريع»(capitalisme d’entrepreneurs)
ويرى الباحثون أن كتاب «النظرية العامة» انطوى على مقترح واحد جوهري في ميدان السياسة الاقتصادية هو «تأميم الاستثمار» (investment socialization). رأى كينز تحوّلاً على مدى حقبة ما بين الحربين في طبيعة الرأسمالية وتخلّي أصحاب المشاريع تحت تأثير المضاربين في الأسواق المالية عن الاستثمار المُنتج لصالح تحقيق أرباح آنية من البيع والشراء في أسواق البورصة. ووجد أن هذا التحوّل في طبيعة الرأسمالية يستدعي تدخلاً من قبل الدولة يجعل منها «المستثمر الأول» (entrepreneur en chef)، في ظل انكفاء القطاع الخاص عن الاستثمار (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 57).
وأصبح كينز أكثر جذرية خلال السنوات التي تلت نشره لـ «النظرية العامة». يبيّن النقاش الدائر مع اقتصاديين مثل بيغو (Pigou)، أنه لم يكن لديه مانع أن تتولّى الدولة نسبة ثلثي أو حتى ثلاثة أرباع الاستثمار المُنتج، في شكل مباشر أو غير مباشر، عبر مؤسّسات نصف حكومية (سيكاريسيا ولافوا، 1989: 58).
ولقد انعكست راديكالية كينز في مطلع الأربعينيات أخذاً كاملاً بآرائه من قبل حكومات غربية رئيسية كحكومتي فرنسا وإنجلترا في مطلع حقبة ما بعد الحرب، وذلك من خلال التأميم الكامل في البلدين، ليس فقط للقطاع المصرفي ولكن أيضاً للقطاع الصناعي فيهما. وعبّر ذلك عن إعطاء الدولة الأولوية للنمو الصناعي على حساب رأس المال المالي.
2


الهجوم على الكينزية خلال السبعينيات
خاض اقتصاديون على رأسهم هاري جونسون حرباً شعواء ضد كينز على مدى السبعينيات. كان كينز بالنسبة إلى جونسون نقدياً أكثر من اللازم تجاه الرأسمالية. الأمر الذي كان يشجّع نخب العالم الثالث على وجه الخصوص على التشكيك بالرأسمالية كنظام (توي، 1993).
أعاب النيو-كلاسيكيون على السياسة المُسمّاة كينزية تركيزها على تحريك الطلب بواسطة السياسة النقدية وسياسة الإنفاق العام، وإهمالها عناصر الكلفة التي تقف في وجه زيادة العرض، كارتفاع الأجور وانخفاض إنتاجية العمل وزيادة أسعار المواد الأولية كأسعار البترول بعد 1973 (دورنبوش وفيشر، 1990: 486-499). واعتبر فريدمان في نصّه لعام 1977 أن زيادة الطلب بواسطة السياسة النقدية وسياسة الإنفاق العام تؤدي إلى ارتفاع معدل التضخّم الذي يؤدي بدوره إلى ضرب الفعالية الاقتصادية للبلدان المعنية. وذلك لأنه يضرب صدقية الأسعار كمؤشّر يحتاجه المستثمرون لاتخاذ قراراتهم الاستثمارية، الأمر الذي يجعل هؤلاء يتردّدون في اتخاذ هذه القرارات (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 3). ثم أضاف النيو-كلاسيكيون دور التوقعات التضخّمية بوصفها سبباً قائماً بحدّ ذاته لارتفاع معدلات التضخّم (دورنبوش وفيشر، 1990: 511-546).
يعتبر كينز أن السياسات التقشفية التي تخفّض الطلب وتخلق البطالة لاحتواء التضخّم هي من الوسائل البربرية


لقد أوصل تزايد التضخّم على مدى حقبة السبعينيات أصحاب القرار إلى تصنيف هذا الأخير كالعدو رقم واحد للاقتصادات الغربية. واستخدموا رفع أسعار البترول للمرة الثانية في العام 1978 لإعطاء شرعية لانخراطهم في «حرب صليبية» ضد التضخّم بعد 1979.
واستخدمت الدعاية الانتخابية لأحزاب اليمين على مدى السبعينيات التضخّم المتفاقم حجّة رئيسية في نقدها للسياسات الكينزية القائمة على حفز الطلب. توجّهت إلى الشرائح المحافظة في المجتمع كالمتقاعدين لإظهار أن التضخّم يأكل معاشاتهم ولتحميل الدولة وسياساتها مسؤولية ذلك (شانغ، 2003).

3


الأولوية لمكافحة التضخّم بعد 1980 العودة إلى فيكسال
أصبح هدف المصارف المركزية في عموم العالم الغربي بعد 1979 ضبط التضخّم. جرّبت هذه المصارف ضبط الكتلة النقدية مباشرة وتخلّت سريعاً عن هذه المقاربة لصالح تحريك أسعار الفائدة، وأوّلها معدّلات الحسم أو إعادة الحسم لدى المصرف المركزي. مثّلت سياسات ضبط التضخّم من خلال رفع أسعار الفائدة عودة إلى حقبة ما قبل كينز، وبالتحديد إلى أعمال كنوت فيكسال (Wicksell) أواخر القرن التاسع عشر الذي أسّس لسياسات ضبط ارتفاع الأسعار برفع أسعار الفائدة (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 11).
استخدام «معدل البطالة الطبيعي» كمؤشر
احتاجت المصارف المركزية إلى مؤشر تستند إليه لتبرير رفع أسعار الفائدة. قدم فريدمان في نصّه لعام 1968 هذا المؤشر ممثلاً بـ «معدل البطالة الطبيعي»، أي المتوافق مع حالة من الاستخدام الكامل للقوى العاملة. وهو «طبيعي» لأنه لا يتأثر بعوامل الطلب بل تحدّده العوامل الحقيقية التي تؤدي إلى ارتفاع الناتج، أي النمو الديمغرافي والتقدّم التقني (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 12).
اعتُمد «معدل البطالة الطبيعي» كمؤشر لدى المصارف المركزية، بمعنى أن هذه الأخيرة كانت تبرّر لنفسها اللجوء لرفع أسعار الفائدة بمجرّد أن ينحرف معدل البطالة الجاري عن المعدّل «الطبيعي». وهو ما كانت تعتبره هذه المصارف نتيجة للسياسات الحكومية غير المسؤولة التي تشجّع العاملين على البقاء من دون عمل أو إطالة فترة بطالتهم بسبب برامج تعويض البطالة الشديدة الكرم. فارتفع معدّل الفائدة الحقيقي خلال الثمانينيات وتراوح بين 5% و10% (لافوا، 2009: 62). كان رفع أسعار الفائدة يخفّض الطلب العام وينشئ حالات انكماش اقتصادي شديدة الوقع تؤدي إلى صفر-تضخّم، لكنها تتسبّب بارتفاعات كبيرة في معدّلات البطالة في عموم العالم الغربي (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 14).
استهداف الإنفاق العام
لم تقتصر سياسات الصفر-تضخّم المشرّعة منذ 1980 على رفع أسعار الفائدة، بل قامت أيضاً بخفض الإنفاق العام بنحو شديد وإلزام الحكومات الغربية اعتماد موازنات سنوية متوازنة لا مجال فيها لوجود عجوزات لأي سبب من الأسباب. وحمّلت ارتفاعات أسعار الفائدة منذ بداية عقد الثمانينيات الموازنات العامة أعباء مديونية ثقيلة، كان لها الأثر الأهم في جعل التقشّف على مستوى الإنفاق العام قاعدة في البلدان الغربية (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 17).
وبلور لويجي بازينتي (Pasinetti) في منتصف التسعينيات مفهوم «عبء المديونية» الذي أظهر أن رفع أسعار الفائدة هو الذي تسبّب بارتفاع المديونية الحكومية، وبحاجة الدولة تالياً إلى رفع معدّلات الضرائب لتتمكّن من إيفاء ديونها (لافوا، 2009: 60). لم يتسبّب رفع أسعار الفائدة بزيادة المديونية الحكومية وزيادة العبء الضريبي فقط، بل أدّت مفاعيله إلى الانتقاص من مشروعية الدولة وإنفاقها العام، وشجّعت جمهور دافعي الضرائب على المطالبة بخفض حجم الدولة ومسؤولياتها، وخفض العبء الذي تمثله على الاقتصاد.
4


لم يكن ممكناً أن يدافع النيو-ماركسيون عن إرث الكينزية
استعاد الباحثون الما-بعد كينزيون قراءة النيو-ماركسيين الممثلين بـ «مدرسة التنظيم» الفرنسية (école de la régulation) وباليسار الماركسي الأميركي لحقبة السبعينيات. وأظهروا التشابه الكبير بين ما يقوله هؤلاء وبين ما تقوله المدرسة النيو-كلاسيكية في قراءة الأزمة آنذاك. رأى النيو-ماركسيون أن الأزمة انطلقت من ارتفاع الأجور الحقيقية في مطلع السبعينيات أكثر من ارتفاع انتاجية العمل، وذلك بسبب ضغط النقابات العمّالية. وهو ما تسبّب بانخفاض أرباح الرأسماليين وصرَفَهم عن متابعة الاستثمار (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 8). وفي هذا تماثل مع القراءات النيو-كلاسيكية التي رأت منطلق الأزمة في سوق العمل وفي ارتفاع الأجور الحقيقية. يظهر التماثل أيضاً بين الاثنين في التحليل الذي يعطي الأولوية لدراسة العرض ومكوّناته على حساب دراسة الطلب.
لكن النيو-ماركسيين لم يهملوا دراسة الطلب وأنحوا باللائمة على الحكومات الغربية التي سهّلت حصول الشركات الصناعية على تسليفات لتمويل الاستثمار تعويضاً لها عن انخفاض أرباحها. وقد أدّى ذلك إلى دفع التضخّم صعوداً خلال السبعينيات. بل لدى بعض المنتمين إلى «مدرسة التنظيم» تقييم إيجابي للدور الذي لعبته المصارف المركزية بعد 1979 في رفع أسعار الفائدة لضبط التضخّم، باعتبار ذلك ردّة فعل صحية من الأسواق المالية لحفظ قيمة ثرواتها النقدية (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 9).
يفسّر مارك لافوا موقف النيو-ماركسيين المعادي لكينزية ما بعد الحرب، بالعودة إلى ماركس، حيث أن اشتغال النظام الرأسمالي يتطلّب وجود كتلة عاطلين عن العمل كبيرة تتيح للرأسماليين ضبط الأجور، وأن الكينزية بوضعها العمالة الكاملة (full employment) هدفاً لها، وإعطاء النقابات دوراً رئيسياً في تحديد الأجور، نقضت أحد مرتكزات النظام الرأسمالي (سيكاريسيا وبارغيز، 1998: 8). والأمر الثاني يتمثّل بأن النيو-ماركسيين مثلهم مثل النيو-كلاسيكيين لم ينظروا إلى الأجور الحقيقية إلا بوصفها عبئاً يعيق الاستثمار. وهم في ذلك يقفون على طرفي نقيض من كينز وكالسكي (Kalecki)اللذين كانا يريان في الأجور عنصراً رئيسياً في الطلب الاستهلاكي الذي يحفّز الاستثمار ويزيد أرباح الرأسماليين (لافوا، 2013).
بقراءات من هذا النوع، لم يكن مستغرباً أن ينكفئ اليسار على امتداد العالم الغربي منذ بدء الحقبة النيو-ليبرالية. فأي بديل يمكن اقتراحه طالما أن القناعة السائدة تدعو إلى خفض الأجور لتستعيد الأرباح حصّتها في الدخل الوطني لتحقيق مزيد من الاستثمار. وأي بديل يمكن اقتراحه طالما أن النيو-ماركسيين انضموا إلى الإجماع تحت راية النيو-كلاسيكيين، الذي يجرّم أي لجوء لحفز الطلب بهدف تحسين معدّلات النمو، ويحصر اهتمامات السياسة الاقتصادية بنواحي العرض فقط.