لغط يعمّ طرابلس حول مصير مسرح الإنجا. ففيما يطالب المجتمع المدني في عاصمة الشمال بإعادة إعمار المبنى التاريخي، صدر قرار وزاري يقضي بإبقاء واجهاته فقط، وقرار بلدي يقضي بتحويله إلى مركز تجاري


بيروت ــ جوان فرشخ بجالي
طرابلس ـــ رحاب نصر
مسرح الإنجا اسم لمعلم أثري تتداوله وسائل الإعلام منذ أسابيع بعد عاصفة هبّت في مدينة طرابلس قادتها الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني.
مسرح الإنجا، أو زهرة الفيحاء كما كان يعرف سابقاً، هو أول دار أوبرا في لبنان، شيّدها عام 1885 مهندسون إيطاليون، وشهدت أهم أحداث فنية عاشها لبنان الشمالي خلال القرن الماضي. فعلى خشبة الإنجا، غنت السيدة أم كلثوم لأهل الشمال. كما استقطب الإنجا عروضاً لفرق من مختلف البلدان، وعرف في فترة الانتداب المسرحيات المناهضة للاحتلال الفرنسي. يتألف المبنى من طبقتين: السفلية مبنية بالقناطر الحجرية الضخمة وكانت تُستعمل موقفاً لعربات الأجرة وقاعةً لاستقبال الوافدين الى المسرح الذي يقع في الطبقة العلوية المؤلفة من منصة للعرض، وأروقة جانبية لكبار الحضور، وغرف خاصة للتجهيزات والكواليس. وما يميّز هذا المسرح هو النوافذ الموزعة على واجهاته الأربع بهدف تهوية القاعة. كان يعلوه قرميد أحمر محمول على أعمدة حجرية جميلة تربط بعضها ببعض جسور حديدية.
هكذا كان شكل مسرح الإنجا حتى 2008، حين بدأت عملية هدمه التي أودت بقرميده وسقفه لتبقى قاعة العروض سالمة. وتجدر الإشارة الى أن عملية الهدم هذه كان مرخصاً لها من البلدية، ولكنها تمت بغياب تام لأهل الاختصاص، فأودت بحياة العمال الذين طلب منهم في حينها تكسير أعمدة الأساس.
عملية الهدم هذه بدأت بعد أن تملّك النائب محمد كبارة مع شركاء له مبنى الإنجا، وقرر المالكون الجدد تحويل البناء الى مركز تجاري. وللتذكير، مبنى مسرح إلانجا مصنف على لائحة الجرد العام منذ عقود، أي إن مالكيه الجدد كانوا مدركين تماماً بمخالفتهم لقوانين حماية الابنية التراثية حينما بدأوا العمل. كما يعرفون تماماً أن المباني المصنفة محمية بموجب قانون الآثار. ولكن هذا لم يمنعهم من بدء الهدم. حينها اعترضت جهات طرابلسية، فوقفت «الورشة». ولكن بعد سنة، أعيدت الكرة بجرأة أكبر، فهُدم ما بقي من المبنى لتبقى ثلاث واجهات قائمة. وبكل وقاحة، تقدم أصحاب العقار من وزير الثقافة آنذاك تمام سلام بطلب يقضي بإزالة المبنى عن لائحة الجرد العام للمباني الأثرية بحجة زواله. طلبٌ حثّ الوزير في حينها على التوجه الى طرابلس ليعلن من أمام المبنى المهدم أنه سيبقى معلماً أثرياً نظراً إلى مكانته التاريخية.
وصدر في حينها من المجلس البلدي السابق القرار رقم 137 القاضي بـ«تكليف الجامعة اللبنانية إعداد دراسة حول كيفية إعادة البناء الى وضعه الاولي وإلزام مالك العقار بتنفيذ الدراسة، على أن تتعهد البلدية بترميم البناء على نفقتها الخاصة وتعتبر التكاليف ديناً على المالكين». ولكن هذا لم يحدث، وبقي الإنجا أطلالاً يبكي عليها كل مارّ على التل في طرابلس.
ولكن هذا الواقع لم يثنِ من عزيمة مالكي العقار، فتقدموا من بلدية طرابلس بطلب جديد يقضي بتحويل المسرح الى مركز تجاري. وأحيل الملف الى وزارة الثقافة لأن المبنى مصنف، فعملت هذه الاخيرة على إيجاد حل وسطي كما شرح لـ«الأخبار» الوزير سليم وردة: «كلفة استملاك العقار تتخطى ميزانية وزارة الثقافة السنوية، وحتى لو استملكنا لا نستطيع أن ندفع كلفة الترميم. وبما أن البلدية ترفض الاستملاك بحجة أنها لا تملك المبلغ، كان من الضروري إيجاد حل وسط يغيّر واقع المبنى على الارض، من دون أن يُرفع من لائحة الجرد العام. والفكرة المطروحة والتي وافقنا عليها تقضي بالمحافظة على الواجهات الخارجية للمبنى بشكلها الهندسي وبمواد البناء الاصلية. وهذا أمر ممكن هندسياً ويجري العمل به حالياً في بيروت. أما عن جهة استعمال المبنى، فتحديدها ليس من صلاحيات وزارة الثقافة، بل من صلاحيات المجالس البلدية».
عُرض مشروع تحويل مسرح الانجا الى مجمع تجاري على المجلس البلدي في طرابلس، فتمت الموافقة عليه. إذاً، سيخسر المسرح أجزاءه الداخلية التي طالمت تميّزت بجمالها، وخصوصاً العقد الضخم الذي كان يؤلف طبقته السفلية. ولكن، بغياب قانون يحمي ويحفز أصحاب المباني القديمة على المحافظة عليها (والقانون يقبع حالياً في ادراج البرلمان)، «كان لا بد من العمل على إيجاد حل وسط، يحافظ أقله على شكل المبنى بسبب غياب هويته». ويؤكد رئيس لجنة التراث والآثار في بلدية طرابلس، خالد تدمري، أنّ «قرار رئيس البلدية مناقض لقرار المجلس البلدي 137 لأنه قرار لا يزال نافذاً بحد ذاته لحين صدور قرار يلغيه. وقد تقدّمنا كرئيس لجنة الثقافة ورئيس لجنة التراث والآثار بطعن بالرخصة التي وافق عليها المجلس البلدي».
مشكلة مسرح الإنجا ستفتح الباب أمام كل المباني الاثرية المجاورة له. فهذه المنطقة هي الشاهد على «تحديث» طرابلس أيام الدولة العثمانية، وأبنيتها تروي قصة احتكاك السكان بالغرب والهندسة غير التقليدية. ولكن أصحاب مباني التل يحلمون حالياً برفع أبنيتهم عن لائحة الجرد العام لتحويل الساحة الى مراكز تجارية. فهل تشهد طرابلس حركة تدمير تمحو من ذاكرة شعبها أكثر من قرن من تاريخها؟