الخامس عشر من نيسان الماضي، بلغ عيد سليم العدس المئة من عمره. في عيده ذاك، تمنى أمنية واحدة: أن يموت فجأة كي لا يتعذّب ولا يعذّب أحداً. رغم كل تلك السنوات، لا تزال ذاكرة ابن المئة تحتفظ بتفاصيل تعود ربما لعمر الطفولة


راشيا الفخار ـ عساف أبو رحال
أطفأ أبو عفيف شمعة واحدة هذا العام. لم يكن يحتاج لأكثر منها في الذكرى المئوية الأولى لميلاده. كل هذا العمر لم ينجح في إضعاف ذاكرة الرجل التي لا تزال تحتفظ بتفاصيل دقيقة من عمر الصبا والشباب. عامرة تلك الذاكرة بالكثير: صور. حروب. معلومات. لحظات من الحياة بعضها مرّ والآخر حلو. حالها كحال الدهر «فإذا اكتمل الدهر، نصفه مر ونصفه الآخر حلو»، يقول أبو عفيف، عيد سليم العدس. سنوات العمر الطويلة لم تتسلّل إلى حركات أبي عفيف، التي لا تزال على حالها من النشاط والحيوية، كما لم تغيّر في أحداث نهاراته. ينهض باكراً. يحضّر قهوته ويخرج في جولته المعتادة في أزقة قريته متفقداً جيرانه وأقاربه. وعندما يعود، يُعدّ طعامه ويأكل ويتفرغ لمتابعة الأخبار السياسية. وأيام الآحاد؟ يقضيها في الكنيسة. ثمة شيء وحيد تغيّر في حياة ابن المئة عام، وهي العصا التي باتت رفيقة دربه وعمره بعد وفاة زوجته مسعدة معلوف ذات يوم من عام 1994. أمام دارته في الحي الفوقاني من بلدة راشيا الفخار، يجلس أبو عفيف في فيء شجرة التوت التي تحمل سنوات عمره نفسه. كل شيء في الدار المتواضعة يشبه أبا عفيف. الشجرة العتيقة. اللوحة التراثية التي تروي تاريخ العائلة. الخابية الفخارية المركونة في الزاوية الغربية والأباريق. جرن الكبّة المصنوع من الحجر ومدقته الخشبية والمنجل والعود القديمة. وكل شيء في الرجل مشوّق. حديثه. ذاكرته التي «يفلشها» أمامنا والتي تختزن مئة عام. سيرته حافلة منذ الولادة عام 1910. وأولى محطاتها مسيرته التعليمية، فقد تلقى دروساً في اللغات العربية والإنكليزية والفرنسية والصرف والنحو، وتتلمذ على يد القس سليمان داوود متري من بلدة مجدل شمس، حتى عمر الثامنة عشرة. وبدأ بالتدريس، فكان الأستاذ الوحيد في مدرسة راشيا آنذاك. تعدّد لغاته، وخصوصاً الإنكليزية، وضعه في موقع همزة الوصل بين الأهالي وقوات «اليونيفيل» من الكتيبة النروجية التي دخلت منطقة العرقوب ربيع عام 1978، والتي كانت تقيم مراكز لها في راشيا الفخار. شيئاً فشيئاً، انتقل أبو عفيف من كونه صلة وصل فقط إلى مترجم في الكتيبة. عاش أبو عفيف في كنف عائلة متواضعة مكوّنة من 4 أشقاء وشقيقتين، وتعتمد على الزراعة كمورد رزق. كانت حال العائلة صعبةً بعض الشيء، وبسبب ذلك تشتتت العائلة. هاجر شقيقان من أشقائه إلى دولة البرازيل بعد الحرب العالمية الأولى، لتنقطع أخبارهما بعد سنوات عدة. أما شقيقه الثالث واسمه أسبريدون العدس، فقد «هاجر» إلى منطقة زحلة في البقاع، حيث عاش كاهناً في إحدى الكنائس. بقيت الشقيقتان وهو في راشيا الفخار، حيث عمل مزارعاً. ولما لم تكفه الزراعة كمورد، عمل حلاقاً.
مثّل عام 1933 محطة مفصلية في حياة أبي عفيف. تغيّر عمله، حيث افتتح صالوناً للحلاقة وجهّزه بكل ما يلزم من معدات، وعمل كاتباً في البلدية، وتزوّج من مسعدة معلوف التي أنجبت منه سبعة أولاد. عام 1947، تولى أبو عفيف منصب رئاسة بلدية، ثم تنقل بين مراكز عدة، منها مختار وعضو مجلس بلدي وأمين صندوق.. وحلاق. كان حلاقاً «ستاتي ــــ رجالي»، يقضي نهاراته حاملاً عدّته ومتنقلاً بين القرى. وكان يتقاضى أجرة «القصّة الواحدة عشرة قروش لبنانية». قال في حينها «مشي الحال»، لكن الاعتداءات الإسرائيلية عام 1978 غيّرت كل شيء، فقد دمرت صالون الحلاقة وعلّقت عمله وأوقفت الحياة وقتها.
ذكرى تلك الاعتداءات تعيد أبا عفيف إلى ذاكرة الحرب، فيسترجع بعض الوقائع من الحرب الثانية، وتحديداً إلى المعارك التي جرت بين الفيشيين والإنكليز في راشيا الفخار، ما اضطره في حينها إلى ترك البلدة برفقة 20 شاباً والانتقال إلى جباثا الزيت في الجولان السوري سيراً على الأقدام عبر مزارع شبعا. عاد أبو عفيف بعد بضع سنوات، ومع قدوم المقاومة الفلسطينية إلى العرقوب أواخر


مرة واحدة ترك بلدته راشيا الفخار عندما زار ابنته في كندا

فضل هذا العام البقاء وحيداً، رافضاً الاحتفال لأسباب عائلية

الستينيات، ألّف أبو عفيف لجنة من الأهالي تفاوضت مع قادة المقاومة للتعاون والتنسيق لتجنيب البلدة القصف المعادي والمشاركة في المقاومة. ثم مع قدوم قوات «اليونيفيل» وتمركزها في البلدة، بدأت تتغير الأحوال، فقد انتهت الاعتداءات وتمركزت قوات الكتيبة النروجية العاملة في إطار «اليونيفيل» في البلدة، وعاد أبو عفيف لترتيب حياته. أعاد افتتاح صالون الحلاقة، وبات الحلاق الأول لجنود القوة النروجية. حتى أنه كان يرافقهم في جولاتهم السياحية إلى مدينة بعلبك مترجماً ومرشداً سياحياً.
رغم صولاته وجولاته، إلا أنه لم يترك بلدته أبداً، حتى في عزّ الحرب. عاش كل الحروب، حتى حرب تموز 2006. مرة واحدة ترك البلدة، عندما زار ابنته في كندا. وعندما عاد قال «كل حبة تراب في العرقوب وراشيا تساوي كندا وأميركا الشمالية، وما في شي بالغرب بيسر القلب». يملك أبو عفيف اليوم عشرة دونمات من الزيتون، وينتج نحو 40 صفيحة زيت منها.
لا يزال أبو عفيف مواظباً على عمله ذاك، ولا يزال منزله مقصداً لأبناء القرية. هذا المنزل الذي تعجّ غرفه الصغيرة وداره في الخامس عشر من نيسان كل عام بالزوار الذين يقصدونه لمعايدته. إلا هذا العام، فضل أبو عفيف البقاء وحيداً، رافضاً احتفال الأهل به «لأسباب عائلية». أمنية واحدة أطلقها في الذكرى المئوية الأولى لمولده «أتمنى أن أموت فجأة، حتى لا أتعذب وأُعذب أحداً معي».