عبد الحليم فضل الله


ما إن اندلعت حرب تمّوز، حتّى قفز البعد الاقتصادي إلى الواجهة في محاولة لا تخلو من استغلال سياسي. تحاول هذه الدراسة التي أعدّها الدكتور عبد الحليم فضل اللّه إعادة تصويب النقاش الاقتصادي لنتائج حرب تمّوز. ننشر هنا الحلقة الأولى من هذه الدراسة التي تتناول العلاقة بين البعدين السياسي والاقتصادي، على أن تليها الاثنين حلقة ثانية عن تقديرات خسائر الحرب، وحلقة ثالثة يوم الثلاثاء عن إعادة الإعمار

تمحور الصخب السياسي في اليومين الأولين لحرب تموز 2006 حول انعكاساتها على السياحة والاصطياف، لكأن الهجمات المعادية كانت تستهدف منتجعات لا يشغلها مواطنون عاديون.
فقد استدعي البعد الاقتصادي منذ الطلقة الأولى إلى معادلة الربح والخسارة، متقدماً لدى كثيرين على الأبعاد الاجتماعية والإنسانية والتحديات الاستراتيجية والسياسية، وإلى أن اتضح المسار المتصاعد للمعركة انهمك قسم كبير من المحللين ومعهم سياسيون كثر بإحصاء ما فقده لبنان من حجوزات وزوار أكثر مما شغلتهم أعداد الشهداء والجرحى والمهجرين قسراً عن مساكنهم.
في أية حرب هناك أهمية استثنائية لبرامج إعادة البناء، لكن التداعيات الاقتصادية ليست سوى معيار ثانوي للحكم على النتائج، ويدل تاريخ الحروب على أنّ الموارد الاقتصادية تجري تعبئتها لتحقيق هدف نهائي هو الفوز بالجولة الأخيرة، أما الاعتبارات الاقتصادية فإما أن تكون سبباً في اندلاع القتال أو تأتي لاحقاً لاستثمار النتائج. وتظهر التجربة اللبنانية من ناحية أخرى أن عوامل عدم الاستقرار الداخلية، والخيارات المنبثقة من طبيعة النظام الاقتصادي، تؤثر سلباً على النمو والتنمية أكثر من عوامل عدم الاستقرار الناشئة من أسباب خارجية. فالأولى لها تأثير دائم، فيما كان للثانية (ومن بينها الاحتلال والغزو) تأثيرات مؤقتة يمكن التعامل مع نتائجها، باتباع سياسات مجتمعية كفوءة.
إن تغليب «مناوئي المقاومة» في الداخل، الجانب الاقتصادي على السياسي في قراءة الأحداث، ينم عن استعمال متحيز للوقائع الاقتصادية، وهذا الأمر ليس جديداًفقد شاع في أروقة السياسة في الفترات الأولى التي أعقبت الحرب الأهلية حين حاول الوافدون الجدد على السلطة، استبدال المشروع الشامل للنهوض وإعادة البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي برزمة من الأهداف الوسيطة والثانوية، التي يمكن قياسها كميّاً، بحيث أمكنت المفاخرة مثلاً بخفض معدلات التضخم ورفع القيمة الاسمية (والحقيقيّة) لليرة، وتزايد حجم الودائع في الجهاز المصرفي اللبناني التي يعاد تدويرها في حلقة الدين العام، فيما كانت تتراجع المؤشرات النوعية، كالإنتاجية، ومستوى التنوع الإنتاجي، والقدرة على التصدير، والجاذبية الصافية للتدفقات. أي إنّ المؤشرات الهامشيّة المبسطة باتت معياراً للحكم على صحة أو عدم صحة نموذج اقتصادي اجتماعي بأكمله.
لكن المفارقة هذه المرة تتعدى سوء استخدام المؤشرات وتوظيفها في اتجاهات مغايرة لمضمونها، إلى تعمّد تقديم فهم خاطئ لمفهوم الحرب ومعنى السياسة، واعتبارهما شأناً من شؤون الاقتصاد وحقلاً من حقوله. قد يصح ذلك، مع أن هناك جدلاً واسعاً حوله، في الدول ذات الاقتصادات الإنتاجية وتلك التي تبحث عن مكانتها في عالم المنافسة الدولية، لكنه لا يصح البتة في الاقتصادات الريعيّة الغارقة في التبعية للخارج. ولنتذكر هنا أنّ تسخير الموارد والسعي إلى إنتاج مقاربة للسياسة تتناسب مع نموذج غير متفق عليه للاقتصاد، ينمّ عن وجود نية لدى بؤر المصالح المتفشية في جسد النظام، لتحويل الهيمنة الاقتصادية إلى هيمنة سياسية، والتسليم باحتكار أقلية من المواطنين المسؤولية عن تحديد «تراتبية الأهداف الوطنية» وأوزانها والأثمان التي تستحقها. فيكون مقبولاً مثلاً هدر أكثر من اثني عشر مليار دولار من خلال تضخيم معدلات الفائدة في التسعينيات كدعم غير مباشر للقطاع المالي، ولا يتاح دفع 300 مليون دولار لتعويض القطاعات الاقتصادية عن جزء من خسائرها جراء العدوان، ولا يعود هذا فقط إلى اضطراب الأولويات وفساد المنهج العام للسلطة، بل للرؤية التاريخية الجامدة للنظام والدولة والتي يراد أن تكون عنوة الفكرة المرجعية لبناء المستقبلالمشكلة ليست في إبراز خسائر الحرب والتأكيد على فداحة وجسامة العدوان في بلد يتخبط في أزمة، بل في استعمال البعد الاقتصادي ذريعة لتقرير ما إذا كان على لبنان اتباع هذا الطريق أو ذاك، في اللحظة التي تتنازعه فيها قوتان، واحدة تدعوه إلى نادي الدول القليلة التي ما زالت مستقلة عن استراتيجية الحرب الأميركية، وأخرى تدفعه إلى التورط في الجبهة الإقليمية الموكل إليها خوض معارك جانبية، لمساعدة الأميركيين على التخلص من المأزق الصعب الذي يغرقون فيه.
وعلى سبيل المقارنة، لم يشغل الجانب الاقتصادي للحرب إلاّ حيزاً ضيقاً من مساحة النقاش في دولة العدو، مع أنه كان يخوض معركة هجومية في مقابل حرب الدفاع التي خاضتها المقاومة. لقد انصبّ الاهتمام هناك على قضايا أكثر خطورة، كالقدرة على الردع وجدوى الحرب الخاطفة في مواجهة تشكيلات غير نظاميّة، وضعف المجتمع الإسرائيلي في الحروب الطويلة والقاسية، وتأثير التحولات الليبرالية التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي على إمكان الاستمرار في العسكرة الشاملة للمجتمع، ومدى صلاحية نظرية الأمن القومي في التعامل مع المخاطر

الجدي دة...

لم يأخذ النقاش الاقتصادي مكاناً معتداً به داخل هذا الجدل، على الرغم من أن الاقتصاد الإسرائيلي صُمّم منذ البداية ليخدم فكرتي الحفاظ على وجود والدولة وتفوّقها، وتأمين الجاذبية الكافية «لأرض إسرائيل» كي تكون مقصداً للمهاجرين، فتم توزيع الاستعمالات القطاعية والمناطقية للأراضي بما يتلاءم مع احتياجات الدفاع والتوسع، واستند الاقتصاد الإسرائيلي إلى ثلاثية: الأرض، الدولة ورأس المال العلمي، أكثر مما اعتنى بعنصري الكفاءة والمنافسة. مع ذلك كانت خسائر العدو كبيرة نتيجة الحرب، فقد تجاوزت وفق أكثر التقديرات اعتدالاً 6.5 مليارات دولار، من دون احتساب التأثيرات التي تظهر على المدى المتوسط والطويل.
إنّ تقويم الأثر الاقتصادي للحرب الأخيرة، ينبغي ألا يقف بالنسبة إلى لبنان عند حدود إحصاء الخسائر والبحث عن تمويل كاف لإعادة البناء، بل يتخطى دلك إلى جعل الرؤية الاقتصادية جزءاً من منظور للأمن القومي لم يولد بعد، لكن ينبغي إيجاده لزيادة المناعة الوطنية في وجه المخاطر المحتملة، وهذا يتناقض حكماً مع خطاب السلطة الحالية التي تسعى إلى تصحيح التوازن مع العدو عبر زيادة التبعية «للمجتمع الدولي». هنا لا نقصد إلى التفريط بليبراليّة الاقتصاد اللبناني، والاستهانة بانفتاحه على الخارج، بل نرمي إلى أن لا تكون الهشاشة الاقتصادية سبباً في إضعاف الهوية الوطنيّة والانتقاص من الحقوق السيادّيّة، فبدلاً من تكييف النظام الاقتصادي السياسي برمّته مع التراتبية الخاطئة للأهداف والأولويات، يجب أن تصمّم السياسات المختلفة بطريقة تساعد على تحقيق الدولة لوظائفها الأساسية: الدفاع، الأمن والعدالة.
هناك معنيان إضافيان لاختيار مناوئي المقاومة المدخل الاقتصادي للتقليل من انتصارها وهما:
الأوّل: العودة عن المصالحة الإيجابية التي حصلت خلال عملية إعادة الإعمار الأولى في التسعينيات، بين مقاومة الاحتلال وبناء الدولة، وأدّت في حينه إلى عزل مسار النمو والتنمية عن تطورات القتال في الجنوب، فقد تنبهت السلطة آنذاك إلى أن رفض حق المقاومة لن يضر في نهاية المطاف بفرص التحرير فقط بل بمناخات الاستثمار والانتاج في آن معاً. وكان من ثمار هذه المصالحة الاستيعاب السريع لنتائج عدواني تموز 1993 ونيسان 1996 اللذين لم يتركا أثراً يذكر على المنحى الاقتصادي العام.
الثاني: إعادة توزيع المسؤوليات بأثر تراجعي عن الأزمة المالية، بحيث تُحمَّل الحرب الأخيرة مسؤولية تفاقم الأزمة، بل أيضاً قسطاً من المسؤولية التي تتحملها السياسات الخاطئة المعتمدة منذ عام 1992.
في مقابل هذا المدخل الذي قوّم نتائج الحرب بطريقة محاسبية طالما خبرها اللبنانيون، برزت رؤية أخرى معتدلة، تعاملت بجدية مع نتائج الحرب لكن في إطار نظرة متكاملة للحاجات والأهداف، فالمطلوب بحسب هذه الرؤية إيجاد شبكات أمان سياسية اجتماعية تساعد على تحمّل ثمن الخيارات الوطنية بدلاً من أن تكون فداحة الثمن مبرراً لنقض هذه الخيارات ومخالفة الثوابت التاريخية، وهذا ما قد تترتب عليه تبعات أكثر خطورة
وفداحة.
ونستعرض في ما يلي الخصائص التي تميز كلا المدخلين:

المدخل الأول:

  • المبالغة في تقدير الأضرار.

  • التركيز على العامل الاقتصادي والبناء عليه للخروج بخلاصات سياسية غير متفق
    عليها.

  • فعالية متدنية في استخدام الموارد المتوافرة بكثرة.

  • غموض وتشاؤم وبلبلة مقصودة في الرؤية.

  • مركزية فكرة الأزمة وهامشية فكرة البحث عن حل.


  • المدخل الثاني:

  • تحديد دقيق وموضوعي للخسائر.

  • تقييم متزامن للنتائج على الصعد المختلفة.

  • التوازن في مشروع إعادة الإعمار بين الجوانب الاجتماعية والتنموية وأعمال الإغاثة.

  • وضوح في الرؤية ونظرة تفاؤلية.

  • فعالية كبيرة في استخدام الموارد المتاحة المحدودة نسبياً.

  • (الاثنين: خسائر الحرب وفوضى التقديرات)




    حدث في 21 تموز

    وصل وزير الخارجية الفرنسية إلى بيروت للمرة الثانية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان في زيارة دعم وتضامن هي الثانية لمسؤول فرنسي في غضون 48 ساعة، التقى خلالها الرئيسين بري والسنيورة ووزير الخارجية فوزي صلوخ، كما تفقد الرعايا الفرنسيين المغادرين. وعُلم أنه أبلغ المسؤولين اللبنانيين أن الولايات المتحدة رفضت أي قرار بوقف النار، وأن هذا الأمر لن ينضج قبل عشرة أيام، أو أسبوعين على اعتبار أن وقف النار يجب أن يكون مربوطاً بحل واضح متكامل من قبل المجتمع الدولي.
    وفيما كان مستشفى صور يشهد مراسم تأبين جماعي لجثامين 74 شهيداً، دفنوا في مدفن جماعي محاذٍ لثكنة الجيش اللبناني في المدينة، ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة جديدة في بعلبك بعد سلسلة عنيفة من الغارات المتواصلة. ولم توفّر الغارات محلّة المديرج حيث أسقطت أعلى جسر في منطقة الشرق الأوسط لم يكن مرّ على بنائه أكثر من خمسة أعوام، وهو يربط بيروت بدمشق عبر منطقة صوفر.
    ميدانياً أدت محاولة توغل الإسرائيليين باتجاه بلدة مارون الراس في قضاء بنت جبيل، إلى مقتل سبعة جنود وجرح عشرين على الأقل وتدمير ثلاث دبابات «ميركافا»، فضلاً عن محاصرة مجموعة جنود لفترة طويلة قبل أن ينجح الإسرائيليون في سحبها، باستثناء جندي ظل مفقوداً حتى عُثر على جثته. واستدعت مواجهة مارون الراس إعلاناً عسكرياً إسرائيلياً يقضي بجعل البلدة بكل ما فيها وحولها منطقة عسكرية خالية من المدنيين.




    إبادة المجال الرمزي

    يمكن وصف حملة التدمير المنظم التي قام بها الاحتلال بأنها عملية إبادة للمكان (التعبير لساري حنفي). فالعدو لم يهتم كثيراً بعدد الضحايا المدنيين الذين سيسقطون في الهجمات الجويّة، وقد نشرت الصحف الإسرائيلية أن القيادة العسكرية توقعت سقوط ما بين 250 و300 قتيل مدني في موجة القصف الأولى على الضاحية، لكنه كان شديد التركيز على تقويض المجال الرمزي لحزب الله المتمثل في مناطق انتشاره. وتؤكد مفهومَ الإبادة هذا الأضرارُ الفادحة التي لحقت بمراكز القرى والبلدات والأحياء القديمة، من دون أن يكون لذلك مبررات عسكرية تذكر. ربما كان الهدف خلق فراغات ديموغرافية أو على الأقل التأثير على الهوية التاريخية للقرى الجنوبية والهوية المدينية الآخذة بالتشكل للأحياء المستهدفة في الضاحية، وذلك تلاعباً بالعلاقة المتينة التي تربط بين الكتل السكانيّة والمحيط الحيوي المكوّن من مزيج من التاريخ والجغرافيا. إن إبادة المكان تجربة أتقنها العدو في تاريخ حروبه كمقدمة لبدء رحلة نفي جماعي ولا يمكن الرد عليها إلا عبر إعادة إعمار سريعة تعيد «إحياء المكان».




    الخسائر... اتّجاهات وأرقام

    ركَّز العدو في عدوانه منذ البداية على المناطق السكنية الآهلة، كأنه يستأنف بذلك ما اعتمده في حربي 1993 و 1996، لكن مع تعديل جوهري جدير بالذكر. في العدوانين السابقين كان هدف الاحتلال الضغط في آن على المقاومة عبر استهداف حاضنتها الاجتماعية وبيئتها الخاصة، وعلى الحكومة التي كانت تدعم، أو على الأقل تتعايش مع مشروع المقاومة عبر ضرب البنى التحتية، وكان القصد من الاستهدافين توجيه رسالة للمجتمع والدولة، أن من غير الممكن الجمع بين الدفاع عن السيادة من جهة والاستقرار والبناء من جهة أخرى.
    في حرب تموز 2006 كان الأمر مختلفاً، لم يكن الضغط على السلطة هدفاً بحد ذاته، بل لعل المطلوب هو ترجيح كفتها، وفيما كثف العدو من استهداف البنية السياسية للمقاومة وبيئتها الحيوية، تم تحييد البنى التحتية والمرافق العامة نسبيّاً، التي لم تتجاوز خسائرها 10% من إجمالي الخسائر.
    هذه الحرب هي أقرب إلى اجتياح عام 1982 منها إلى أي عدوان إسرائيلي آخر، فالعمليات الحربية كانت تهدف في حينه إلى تتويج الإنجازات الأمنية والعسكرية، بإنجاز سياسي كبير تمثل آنذاك في قيام سلطة موالية لتل أبيب، ويتمثل الآن في التأثير على موازين القوى الداخلية لتطبيق البند الثالث من القرار 1559 وضمّ بيروت إلى عواصم حلف الاعتدال. وهذا الأمر ليس عابراً، فالمقاومة التي دفعت العدو إلى مغادرة لبنان عام 2000 كانت قد أجبرته قبل ذلك على الخروج سياسياً منه والتركيز فقط على الوظائف الأمنية للاحتلال. لكن تحولات السلطة في لبنان والسياسة الأميركية المتطلبة في المنطقة، تعيد إحياء سياسة التدخل الإسرائيلي بقصد التأثير على سير الوقائع السياسية في
    البلد.
    ثم إن تركيز العدو على ضرب البنى العسكرية والاجتماعية والسياسية للمقاومة على حد سواء، يتضمن اعترافاً بأنه يواجه تركيبة متماسكة ومتطورة، إدراكاً منه أن من مصادر قوة المقاومة العلاقة التفاعلية والجدلية بين بعديها العسكري والمدني، فأي إنجاز عسكري يتحول إلى مكسب سياسي واجتماعي والعكس بالعكس، وهو يعلم جيّداً أن الأمر لا يتعلق بقوة عسكرية تعيد توجيه المجتمع رغماً عنه نحو أهدافها الخاصة، أو بمجتمع يمكن عزله عن التأثير المتصاعد لديناميات المقاومة.


    الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث