يعاني العمال غير اللبنانيين صعوبات في تأمين الرعاية الصحية، هذا الواقع المأساوي يطال زوجاتهم وأولادهم. في حالات الطوارئ ترفض المستشفيات الحكومية والخاصة تأمين العلاج لهم إذا لم يؤمنوا مبالغ تساوي أضعاف ما يتقاضونه شهرياً


حلا ماضي
اشتد سعال الصبي الصغير، بدا صالح وكأنه يقارع الألم ليتمكن من التقاط نفسه. كان الطفل البالغ من العمر 8 أعوام يتنقل مع والديه من مستشفى إلى آخر في ليلة ماطرة، فيما سعال الصبي يشتد، وحرارته ترتفع، ودموعه تسبح على خديه. لم تستقبل المستشفيات صالح لمعالجته من نوبة السعال والمرض الذي كان يخنق صوته، ويكاد يمنعه من التنفس. كان الموظفون يرددون أمام والديه بأنه ليس لبنانياً، ولا يملك بطاقة تأمين، ولا يمكن معالجته على نفقة وزارة الصحة اللبنانية.
لم يكن صالح يعرف أن عليه ألا يمرض وألا يصاب بنوبة حادة تتطلب إدخاله الفوري إلى المستشفى. الصبي من أم لبنانية، وقد ولد وترعرع وتعلم في بيروت. والده سوري ويعمل ناطوراً لبناية قرب بيروت.
يحكي محمد ر. عن معاناة ابنه، إدارة مستشفى طالبته بدفع ما يقارب مليوني ليرة لبنانية لقاء إعطائه العلاج لمدة يوم واحد، رد بأن راتبه لا يتجاوز 500 ألف ليرة لبنانية. عاد الوالد إلى الطبيب المتابع لحالة ابنه الذي نصح الأهل بالتوجه إلى مستشفى حكومي، لكن إدارة المستشفى أبلغت الأهل أنه لا يحق لمواطن غير لبناني الاستشفاء على نفقة وزارة الصحة اللبنانية، وبالتالي فإن العلاج في المستشفى الحكومي يحصل، إذا توافر سرير للمريض، مقابل المبلغ الذي طلبته إدارة المستشفى الخاص.
رئيس مركز الاستشفاء في وزارة الصحة الدكتور علي عبد الله يتحدث عن غياب التسهيلات لمعالجة المرضى غير اللبنانيين على نفقة الوزارة، باستثناء بعض الحالات التي يرفع ملفها إلى الوزير لدرسها والتقرير بشأنها. يلفت عبد الله إلى أنه في عدد من الدول المتقدمة يُعالج المريض، مهما كانت جنسيته «ثم يُحكى في موضوع النفقات»، ويضيف أن استشفاء «غير اللبنانيين» على حساب وزارة الصحة «أشبه بالممرات العسكرية»، تلك الممرات لا تتوافر لكل المقيمين على الأراضي اللبنانية، إزاء هذا الواقع لا بد من قانون جديد.
رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب النائب ميشال موسى قال لـ«الأخبار» إن الاستشفاء لغير المواطنين اللبنانيين ووضع قوانين منظمة عملية في حاجة إلى دراسات عديدة «قد لا تتمكن الحكومة من تطبيقها، لأن ذلك يدخل الدولة اللبنانية في متاهات لا حدود لها ولا ميزانية مطلقاً لتغطيتها»، واعترف موسى بأن «هذا الموضوع له علاقة مباشرة بحياة الإنسان ولا بد من مناقشته في وقت ما»! النائب غسان مخيبر شدد على ضرورة إيجاد حلول عملية وإنسانية لمعالجة هذا الواقع.


من يرفض تأمين العلاج لمحتاج يُعاقب بالسجن من شهر إلى سنة وبدفع غرامة مالية
الناشطة في مجال حقوق الإنسان المحامية رانية غيث تستغرب الصعوبات التي يواجهها المقيمون على الأراضي اللبنانية، تُذكر بأن الدولة اللبنانية سمحت لهم بالدخول والإقامة على أراضيها، وبممارسة العمل والزواج من أبنائها، مشيرة إلى أن المادة الخامسة والعشرين من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على حق كل إنسان بالحصول على العناية الطبية بمستوى يكفي لضمان الصحة. غيث تُذكّر بأن الاتفاقيات الدولية التي يدخل لبنان عضواً فيها تكفل حق الإنسان في الصحة، «ويعد هذا الحق مثالاً واضحاً على ترابط حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة». وتشدد غيث على أن لبنان عضو مؤسس في منظمة الأمم المتحدة، وعليه بالتالي تطبيق المبادئ التي تنص عليها شرعتها ومبادئها.
الناشطة من أجل حقوق الإنسان تلفت إلى أن قانون العقوبات اللبناني ينص في المادة 567 من المرسوم الاشتراعي 112 على «أن من هو في مواجهة شخص بحالة الخطر بسبب حادث طارئ أو بسبب صحي وكان بوسعه إغاثته أو إسعافه دون أن يعرّض نفسه للخطر وامتنع عن ذلك يُعاقب بالسجن من شهر إلى سنة وبدفع غرامة مالية من مئتين إلى مليوني ليرة لبنانية»، وتذكّر غيث بأن آداب مهنة الطب تفرض على الطبيب أن يكرّس نفسه لتقديم الخدمات الطبية باستقلالية تامة من أجل احترام الكرامة الإنسانية.


لقطة

رونيكا من سريلانكا، تعمل في لبنان منذ سنوات، وقد تزوجت من شاب سوري يعمل لدى إحدى البلديات في منطقة الشوف.
الشابة الثلاثينية تحمل بطفلها الأول، وفي الشهر السابع طلبت منها القابلة القانونية أن تتوقف عن العمل في تنظيف المنازل خوفاً على مصير جنينها. استجابة رونيكا كلّفتها خسارة ما تجنيه من مال وبالطبع توقف راتبها الشهري.
في الشهر الثامن للحمل امتنعت القابلة القانونية عن متابعة حالة رونيكا، طالبة منها التوجه إلى المستشفى للولادة. بدأت رونيكا وزوجها البحث عن مستشفى يستقبل رونيكا عندما يحين موعد الولادة، ولكنهما كانا يُذهلان لدى سماع المبلغ المطلوب منهما دفعه، وبعد وساطات من أرباب عمل الزوجين، قبل إدارة أحد المستشفيات استقبال رونيكا، شرط أن تدفع 500 دولار مقابل الفترة القصيرة التي ستمضيها عند وضع الطفل، وهذا المبلغ البسيط لا يسمح لهذه السيدة بأن تستمتع بالخدمات الصحية الضرورية لأية امرأة تضع مولوداً.